تحولات الأمن الأوروبي في ظل أولويات واشنطن

nato logo with flags

تطرح تساؤلات عدة حول مستقبل حلف الناتو، والدور الأميركي، واستمرار أو عدم استمرار الوجود الأميركي في أوروبا، غداة سلسلة من مواقف الامتعاض التي عبّر عنها الرئيس الأميركي دونالد ترامب تجاه الأوروبيين وحلف الناتو.

ولإلقاء المزيد من الضوء على هذه التساؤلات، لا بد من التوقف عند الملاحظات التالية:

أولاً: مهما بلغت درجة التوتر في العلاقات على ضفتي الأطلسي، لا يمكن تحت أي ظرف أو لأي سبب أن تصل إلى القطيعة الكاملة، ذلك أن كلا الطرفين يحتاج إلى الآخر، فالأميركي يحتاج إلى الأوروبي كعمق استراتيجي، فيما يحتاج الأوروبي إلى الأميركي كعمق جيوسياسي وظهير قوي للاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، لا سيما في مجالات الاستخبارات والتكنولوجيا العسكرية والتبادل السياسي.

ثانياً: ثمة احتمال قائم لفتح مسار تفاوضي بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والأوروبيين، وتختصر دوافعه في أن فكرة ذهاب بوتين إلى التفاوض مع الأوروبيين طُرحت أخيراً، كما تم اقتراح المستشار الألماني السابق غيرهارد شرودر ليكون المفاوض الأوروبي في هذا المسار. وفي المقابل، سُجّل توجه أوروبي لفتح قنوات تواصل مع موسكو، مع وجود رغبة وخطة لدى عدد من الدول الأوروبية للانفتاح على روسيا. إلا أنه يجب التذكير بأن العلاقة بين موسكو وبروكسل لن تعود إلى ما كانت عليه قبل حرب أوكرانيا، حتى لو حصل تقارب أو تفاهم جديد، وهذا أمر شبه مؤكد.

ثالثاً: ثمة خشية لدى الدول الأوروبية من تهديدات روسية محتملة في حال حصول تقارب أو تسويات لا تراعي المصالح الأوروبية، في ضوء التجارب السابقة، وفي مقدمتها التجربة الأوكرانية التي أفقدت الأوروبيين جزءاً كبيراً من ثقتهم بالقيادة الروسية، وتحديداً بالرئيس بوتين. لذلك يرتبط الهاجس الأوروبي بمخاوف وتكاليف استراتيجية وجيوسياسية قد يضطر إلى تحملها، ومن هنا جاءت مراجعة الحسابات الأوروبية مع الحليف الأميركي، سواء في إطار الناتو أو في إطار الواقع الراهن.

رابعاً: أطلق بعض القادة الأوروبيين، ومن بينهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشار الألماني، تصريحات عكست رغبة أوروبية في "ابتكار مسارات" جديدة للتواصل مع موسكو. فهناك خطة ورغبة لدى عدد من الدول الأوروبية للانفتاح على روسيا، ومن هنا يُتوقع أن تُفتح قنوات تواصل مع موسكو خلال أسابيع أو في فترة قريبة.

وفي المقابل، هناك حالة من عدم اليقين الأوروبي حيال استمرار الاعتماد على واشنطن بالشكل نفسه، ما دفع الأوروبيين إلى إطلاق نقاشات جدية حول الحاجة إلى استقلالية استراتيجية أوروبية. كما يعيش الأوروبيون هاجس التهميش في حال جرت تفاهمات مباشرة بين قادة أميركيين وروس، ولا سيما إذا حصل أي تفاهم بين ترامب وبوتين حول أوكرانيا بعيداً من المصالح الأوروبية.

وفي هذا السياق، سحب الرئيس دونالد ترامب قوة أميركية من قاعدة ألمانية في أوروبا باتجاه قاعدة في تركيا، في إطار إعادة ترتيب الأولويات الأميركية وفتح المجال أمام التركيز على آسيا الشرقية والصين.

وقد هدفت هذه الخطوة إلى توجيه رسائل سياسية قوية إلى الأوروبيين ودفعهم إلى تحمّل مسؤولياتهم الأمنية بصورة أكبر، وليس بالضرورة إلى رفع المظلة الأميركية بشكل فوري. فكأن لسان حال ترامب يقول للأوروبيين: لا تعتبروا الأمن والمظلة الأميركية حقاً مكتسباً.

كما أشارت التقارير إلى إجراءات عملية شملت تجميد أو إعادة نشر أو سحب بعض القوات، حيث جرى الحديث عن سحب نحو خمسة آلاف جندي من قواعد في أوروبا كنموذج لسياسة إعادة الانتشار، فيما تم تجميد إرسال خمسة آلاف جندي إلى بولندا قبل إعادة النظر في القرار.

ومن هنا، أراد ترامب استخدام هذه الخطوات كأدوات ضغط لتغيير سياسات وسلوكيات حلفائه الأوروبيين. إلا أن هذه الرسائل السياسية أثارت في المقابل قلقاً أوروبياً متزايداً بشأن مستقبل الضمانات الأمنية الأميركية واستمراريتها.

ومن المعروف أنه بعد الحرب العالمية الثانية اعتمدت أوروبا على الحماية والمظلة الأميركية، فيما تفرغت الدول الأوروبية للتنمية والاقتصاد.

وانطلاقاً من هذه الحسابات، لوحظ توجه أوروبي نحو رفع الإنفاق العسكري، وزيادة عديد الجيوش، وتعزيز الموارد البشرية والمالية المخصصة للأمن والدفاع.

لكن يبقى أن تحقيق الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي يتطلب سنوات طويلة، إذ تحتاج أوروبا إلى نحو خمس سنوات لتحقيق تقدم ملموس، وإلى ما بين خمس وعشر سنوات إضافية قبل الوصول إلى مرحلة تقليص الاعتماد بشكل شبه كامل على المظلة الأميركية.

كما يدرك الأوروبيون أن فجوة كبيرة لا تزال قائمة في المجالات الصناعية والاستخباراتية والتكنولوجية واللوجستية، وأنهم لا يزالوا بحاجة إلى قطع الغيار الأميركية، والمعلومات الاستخباراتية، والدعم اللوجستي القادم من الولايات المتحدة.

ومن هنا يأتي التريث الأوروبي في الانتقال من الاعتماد الكامل إلى الاستقلالية الكاملة، لأن ذلك يتطلب بناء صناعات دفاعية متطورة، وشبكات استخبارات مستقلة، ومنظومات لوجستية متكاملة.

خامساً: أما بالنسبة إلى تداعيات حرب أوكرانيا على التحالفات والرهانات الأوروبية، فإن دعم أوروبا لأوكرانيا استند إلى قناعة بأنها جزء من الأمن القومي الأوروبي، بينما تختلف الرؤية الأميركية، إذ وصف ترامب الحرب بأنها ليست حرب الولايات المتحدة بل حرب إدارة بايدن.

وفي المقابل، برزت المخاطر والتكاليف الكبيرة التي تكبدتها أوروبا نتيجة الحرب، سواء لناحية قطع العلاقات مع روسيا أو لناحية الأعباء الجيوسياسية والمالية التي قد تتفاقم إذا توسعت روسيا أكثر.

ولذلك لا تزال أوروبا تدعم أوكرانيا باعتبارها رهاناً استراتيجياً لحماية الأمن القومي الأوروبي، مع استمرار القلق من أن تؤدي أي صفقة مباشرة بين ترامب وبوتين إلى تهميش أوروبا وتقليص دورها ومصالحها.

ومن هذا المنطلق، يرى الأوروبيون أن دعم أوكرانيا اليوم أقل كلفة من مواجهة تمدد روسي أكبر في المستقبل.

وفي الوقت الراهن، لا تزال أوروبا تعتمد على "قطع الغيار" الأميركية، والمعلومات الاستخباراتية الآتية من الولايات المتحدة، والقدرات اللوجستية التي توفرها القوات الأميركية في أوروبا، ما يعني أن بناء قدرات أوروبية مستقلة سيحتاج إلى سنوات طويلة، وإلى استثمارات ضخمة في الصناعات الدفاعية والاستخباراتية واللوجستية.

سادساً: وُصفت العلاقة بين الولايات المتحدة وأوروبا في المرحلة الأخيرة بأنها علاقة شائكة وسلبية، في ظل الضغوط والرسائل التحذيرية التي وجهتها الإدارة الأميركية والرئيس ترامب نفسه إلى الأوروبيين بهدف تعديل سلوكياتهم وسياساتهم.

ومع ذلك، لم تصل هذه العلاقة إلى حد القطيعة الكاملة، لأن الطرفين لا يزالان بحاجة إلى بعضهما البعض على المستويات الاقتصادية والعسكرية والسياسية.

فواشنطن تريد من الأوروبيين تحمّل مسؤولياتهم الدفاعية، وزيادة الإنفاق العسكري، والاعتماد بصورة أكبر على قدراتهم الذاتية، باعتبار ذلك هدفاً استراتيجياً أميركياً.

وفي المقابل، يستمر التباين السياسي حول الملف الأوكراني ومصالح الأطراف المختلفة فيه، ما قد يبقي العلاقات متوترة لفترة طويلة.

ويبقى التحدي الأكبر أمام الأوروبيين في امتلاك القدرة على تقليص اعتمادهم على الحليف الأميركي، الذي لم يعد مستعداً لتقديم شيكات مفتوحة أو ضمانات غير مشروطة حتى لأقرب حلفائه وأصدقائه.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: