كتب جورج ابو صعب:
لم يعد خافياً على أحد النهج التفاوضي الذي يعتمده الرئيس الأميركي دونالد ترامب في مقاربة المفاوضات مع النظام الإيراني.
إلا أنّ ما يجب عدم إغفاله هو أنّ هذا الصبر الاستراتيجي ليس بلا حدود، بل تحكمه مجموعة من الاعتبارات، في مقدّمها عدم رغبة ترامب في العودة إلى الحرب، لما تنطوي عليه من محاذير وتكاليف، تبدأ بحماية الحلفاء في المنطقة ولا تنتهي عند كلفة أي عمل عسكري مباشر، سواء لانتزاع اليورانيوم المخصّب أو لإنهاء المشروع النووي الإيراني.
بالتوازي، هناك عوامل أخرى تتحكم بمسار الرئيس الأميركي، من بينها اقتراب الاستحقاقات الاقتصادية الكبرى، وفي مقدمها كأس العالم الذي يُنتظر أن يدرّ على الولايات المتحدة إيرادات ضخمة، ما يتطلّب بيئة إقليمية هادئة ومستقرة. كما يضاف إلى ذلك هاجس ارتفاع أسعار الطاقة وانعكاسها على معيشة المواطن الأميركي، فضلاً عن الضغوط المتزايدة التي يمارسها الجمهوريون، ولا سيما شخصيات مؤثرة مثل ليندسي غراهام وتيد كروز وسواهما من صقور الحزب، الذين يدفعون باتجاه حسم المفاوضات، إما بالتوصل إلى اتفاق بشروط أميركية أو بالذهاب إلى خيارات أكثر تشدداً.
ويزداد هذا الضغط في ظل ترقّب الديمقراطيين لأي تنازل قد يقدّمه ترامب، بما يسمح لهم بمقارنته باتفاق عام 2015، إضافة إلى ضغط قواعد "ماغا" التي تدفع بدورها نحو اعتماد مقاربة أكثر صرامة تجاه طهران.
كل هذه الاعتبارات وغيرها تتحكم بالمسار التفاوضي الحالي. وإذا كان النظام الإيراني لا يزال قائماً، ولو بصورة مشوّهة ومهترئة، فذلك لا يعود إلى تفوقه على الولايات المتحدة، بل إلى رغبة واشنطن وحلفائها الإقليميين في استنفاد كل الفرص الممكنة للوصول إلى النتائج المطلوبة بالوسائل السلمية حتى اللحظة الأخيرة، رغم إدراك الجميع لطبيعة النظام الإيراني العدائية تجاه محيطه الإقليمي.
ولعل ما شهدته الكويت أخيراً من اعتداء إيراني جديد يشكل دليلاً إضافياً على سوء نيات النظام في طهران، الذي لا يزال يراهن على سياسة كسب الوقت وتأجيل استحقاق يبدو حتمياً، سواء أتى من الخارج أو من الداخل الإيراني نفسه.
من هنا، يبدو أن سيناريو تبادل الملاحظات والردود والمقترحات المعدلة هو السيناريو المفضل لدى الجانب الإيراني، بهدف شراء المزيد من الوقت لإعادة بناء قدراته الصاروخية وإعادة إنتاج ترسانته العسكرية استعداداً لأي مواجهة مقبلة.
والنظام الإيراني يدرك، كما يدرك الجميع، أن ميزان القوى النهائي لا يميل لمصلحته، وأن مظاهر التشدد والندية التي يعتمدها اليوم ما كانت لتستمر لولا القرار الأميركي بمنحه فرصة إضافية للمفاوضات.
في المقابل، تبدو واشنطن اليوم أكثر اطمئناناً إلى حياد كل من الصين وروسيا على المستوى العسكري والتسليحي، خصوصاً بعد القمتين الأميركية - الصينية والصينية - الروسية الأخيرتين.
فالصين، على وجه الخصوص، وجدت مصالحها في ملفات أخرى، من بينها تايوان والتجارة العالمية والانفتاح الاقتصادي والاستثمارات المتبادلة مع الولايات المتحدة، فضلاً عن اتفاقات تتعلق بالطاقة والزراعة والأسواق والاستثمارات الكبرى.
انطلاقاً من هذه المعطيات، يبرز توجه أميركي نحو إبرام تفاهمات جزئية مع الإيرانيين، رغم التباينات داخل مراكز القرار الإيرانية، ولا سيما بين الرئيس مسعود بزشكيان والحرس الثوري، بشقه العقائدي الأكثر تشدداً.
هذا الاتفاق الجزئي يبقى احتمالاً قائماً، لكنه يحتاج إلى وقت، وتقديراتنا تضع حظوظه عند حدود 50 في المئة، تحت وطأة مخاطر التصعيد العسكري والحرب الإلكترونية وإمكانية توجيه ضربات مؤلمة للنظام إذا اقتضت الضرورة.
وفي هذا السياق، تحدث موقع Axios عن اشتراط إيران وقف إطلاق النار في لبنان كجزء من حساباتها التفاوضية، في محاولة لاستعادة الورقة اللبنانية، وتحديداً ورقة حزب الله، من يد الدولة اللبنانية التي تمضي في مفاوضاتها انطلاقاً من مصالح لبنان أولاً، بعيداً عن أي اعتبارات إقليمية، رغم كل الضغوط والمحاولات الإيرانية المباشرة وغير المباشرة.
وتشير المعطيات إلى أن حزب الله يسعى بدوره إلى منع تكريس التفاوض اللبناني - الإسرائيلي كمسار مستقل، بما يعيد تسليم الورقة اللبنانية إلى طهران في أي مفاوضات مقبلة مع واشنطن.
أما على المستوى اللبناني، فتؤكد المعلومات أن القنوات الرسمية الأميركية والإسرائيلية ناقشت أكثر من سيناريو يتعلق بإمكانية تنفيذ ضربات أو تحركات محددة ضد مصادر التهديد في لبنان وإيران.
وبحسب التقديرات، فإن القرار النهائي، سواء بالتسوية أو بالتصعيد، سيبقى بيد الرئيس الأميركي، بالتنسيق مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الملف اللبناني.
ذلك أن إسرائيل لم ولن تتوقف عن استهداف حزب الله طالما تعتبره مصدر تهديد مباشر لأمنها، وهي تتمتع بهامش واسع من الحرية العسكرية في هذا المجال بدعم أميركي واضح.
وفي المقابل، يدرك حزب الله أن أي وقف لإطلاق النار لا يترافق مع انسحاب إسرائيلي سيؤدي إلى زيادة الضغوط الداخلية عليه وعلى سلاحه، ما يجعل التزامه بأي هدنة شاملة أمراً بالغ الصعوبة، خصوصاً في ظل الإصرار الإسرائيلي على ربط أي انسحاب بمعالجة مسألة السلاح.
وبانتظار ما ستؤول إليه المفاوضات مع إيران، نووياً وسياسياً، تشير الرسائل الواردة عبر قنوات باكستانية إلى استعداد إيراني لإبداء مرونة محدودة، فيما تبقى نقاط الخلاف الجوهرية مرتبطة بمستقبل التخصيب ومدته وآلياته، وسط اعتقاد أميركي متزايد بأن طهران لا تزال تستخدم المفاوضات لشراء الوقت وانتزاع تنازلات إضافية.
من هنا، يبدو أن وضع لبنان وحزب الله لا يزال قيد الاختبار، سواء على مستوى وقف إطلاق النار أو الترتيبات الأمنية المحتملة بين الدولة اللبنانية وإسرائيل.
وتتركز المحادثات الجارية في واشنطن على احتمال التوصل إلى اتفاق جزئي يقوم على وقف استهداف الضاحية مقابل وقف الهجمات على شمال إسرائيل، فيما يبقى ملف سلاح حزب الله خارج أي تسوية حالية.
كما أن احتمال رفض الحزب لأي اتفاق جزئي يبقى قائماً، ما يجعل المشهد مفتوحاً على احتمالات متعددة.
في المقابل، تواجه الحكومة الإسرائيلية بدورها ضغوطاً سياسية وإعلامية وشعبية متزايدة، بين دعاة وقف العمليات العسكرية ودعاة مواصلتها، فيما تشير بعض التقديرات إلى إمكانية وقف استهداف بيروت، من دون أن يعني ذلك انسحاباً إسرائيلياً شاملاً.
ويبقى أن ثمة تقديرات جدية تتحدث عن احتمال توجيه ضربة قوية للنظام الإيراني إذا استمر في سياسة التعطيل والمماطلة، بالتوازي مع تصاعد الحرب الاستخباراتية والاختراقات الأمنية والتحضيرات العسكرية الإقليمية.
كما لا يُستبعد أن تشمل أي مواجهة مقبلة استهداف بنى تحتية ومنشآت حيوية في المنطقة، بما يهدد أمن دول الخليج واستقرارها، في وقت يزداد فيه عدد القائلين إن كلفة حسم المواجهة مع النظام الإيراني قد تصبح أقل من كلفة استيعابه عبر مفاوضات مفتوحة بلا أفق واضح.