في كل مرة يُطرح فيها ملف السلاح جنوب لبنان، لا يقتصر النقاش على بند أمني أو إجراء ميداني عابر، بل يفتح الباب أمام سؤال أكبر يتعلق بشكل الدولة وحدود سلطتها وقدرتها على فرض وقائع جديدة فوق أرض بقيت لعقود ساحة لتداخل النفوذ العسكري والسياسي والأمني. من هنا تكتسب الفكرة الأميركية المطروحة أهمية استثنائية، لأنها لا تتحدث عن حل شامل دفعة واحدة، وإنما عن اختبار ميداني يراد له أن يرسم صورة المرحلة المقبلة.
وتتمحور المفاوضات حول مقترح أميركي يقضي بإنشاء "منطقة تجريبية" في جنوب لبنان، تقوم على انسحاب إسرائيلي تدريجي من نطاق جغرافي محدد، يتسلمه الجيش اللبناني بصورة حصرية، على أن تُرفع منه كل المظاهر المسلحة الخارجة عن إطار الدولة، وإذا نجحت التجربة، يجري توسيعها تدريجياً لتشمل مناطق أخرى.
الخبير العسكري والعميد المتقاعد يعرب صخر ينظر إلى المشروع على أنه نموذج عملي يراد تطبيقه ضمن مساحة جغرافية محددة لتكون مختبراً ميدانياً لمراحل لاحقة من عملية نزع السلاح، وبرأيه، تسعى واشنطن إلى إعداد الجيش اللبناني، أو وحدات متخصصة داخله، للتعامل مع مختلف تفاصيل هذه المهمة، بدءاً من ضبط الأرض ومراقبتها، وصولاً إلى معالجة الملفات الأكثر تعقيداً المرتبطة بالمخابئ والمنشآت المخفية والأنفاق وأي وجود مسلح محتمل.
ويشير صخر عبر LebTalks إلى أن نجاح أي تجربة من هذا النوع يحتاج إلى تجهيزات متطورة تتجاوز الإمكانات التقليدية، من أجهزة المسح والكشف الحديثة إلى الحساسات التقنية والمعدات المخصصة للعمل في البيئات الحساسة، إضافة إلى تسليح خاص وتجهيزات حماية متقدمة للعناصر المكلفة تنفيذ المهمة، كما يشدد على أن المشروع لا يزال في إطار الفكرة ولم يتحول بعد إلى خطة تنفيذية، ما يترك الباب مفتوحاً أمام تساؤل أساسي: هل تملك هذه التجربة مقومات النجاح عندما تنتقل من الورق إلى الميدان؟
وفي مقاربته للمسألة، يطرح صخر رؤية مختلفة تقوم على البدء من المناطق الأقل تعقيداً، ويذكر بأن الحكومة اللبنانية سبق أن أعلنت بيروت مدينة خالية من السلاح، معتبراً أن تطبيق أي نموذج تجريبي يجب أن ينطلق من هناك أولاً، ويشير إلى أحياء مثل الباشورة والمصيطبة وزقاق البلاط باعتبارها ساحات يمكن أن تشكل بداية لمسار تدريجي يهدف إلى فرض واقع جديد على الأرض.
ويشرح أن المنطق العملي يقتضي الانتقال من المناطق الأسهل إلى الأكثر حساسية، ومن الملفات الأقل تعقيداً إلى الملفات التي تتطلب ترتيبات أمنية وسياسية أكبر، ويرى أن جوهر المسألة لا يكمن في الخرائط أو الخطط التقنية، وإنما في وجود قرار واضح بالتنفيذ والاستمرار فيه مهما كانت العقبات.
ولا يغفل صخر ملف المخيمات الفلسطينية، معتبراً أنها تشكل نموذجاً مناسباً لاختبار قدرة الدولة على تطبيق أي آلية جديدة، نظراً إلى خصوصية الواقع الأمني القائم داخلها وتشابك العوامل المرتبطة بها، لذلك يعتقد أن النجاح في هذه النماذج الأولية سيكون العامل الحاسم في تحديد ما إذا كانت فكرة المناطق التجريبية ستتحول إلى مسار عملي قابل للتوسع، أم ستبقى مجرد مشروع مطروح على طاولة التفاوض.