كتب سلمان عبدالخالق:
فرصة الدولة أصبحت على الطاولة، جليدٌ تراكم على مدى 75 عاماً بدأ يذوب، والحوار يحوّل ما كان يُعتبر مستحيلاً إلى واقعٍ أقرب من أي وقت مضى. إطلالة رئيس الجمهورية جوزاف عون الأخيرة رسمت معالم المرحلة بوضوح: لا دولة فعلية في ظل وجود سلاح خارج إطار الشرعية.
وبانتظار قرار جريء بمحاسبة طبقة سياسية متهمة بالفساد، تبدو التقاطعات الإقليمية والدولية أكثر وضوحاً من أي وقت مضى، مع تلاقي مصالح أميركية وإسرائيلية ولبنانية حول مجموعة من العناوين الأساسية.
السؤال لم يعد ما إذا كانت هناك فرصة، بل ما إذا كانت الطبقة السياسية ستلتقطها هذه المرة أم ستُهدرها كما حصل في محطات سابقة.
في إطلالته عبر شبكة CNN بتاريخ 5 حزيران 2026، لم يُقدّم الرئيس عون مقابلة عادية، بل وجّه رسائل سياسية واضحة عكست توجهاً جديداً في مقاربة الملفات السيادية.
وكان من أبرز ما قاله تأكيده أن السلاح غير الشرعي لا يمثّل الشعب اللبناني، في موقف اعتبره كثيرون من أكثر المواقف وضوحاً التي تصدر عن رئيس جمهورية في هذا الملف منذ سنوات.
وللمرة الأولى منذ وقت طويل، بدا أن خطاب الرئاسة ينطلق من منطق الدولة ومؤسساتها حصراً، بعيداً من أي ازدواجية في المرجعيات أو القرار.
فرصة الدولة: بين إرادة عون وتقاطع المصالح
إن من يتابع مسار التفاوض المباشر وغير المباشر بين لبنان وإسرائيل، والولايات المتحدة وإيران، يلحظ تقدماً واضحاً في المواقف. الحوار بدأ يفك الجليد المتراكم منذ أكثر من 75 عاماً، ويحوّل المستحيل الذي كان سائداً قبل سنة فقط إلى احتمال قريب، قد يصبح واقعاً بعد فترة وجيزة.
لحظة عون وتقاطع المصالح
إطلالة رئيس الجمهورية جوزاف عون عبر CNN بتاريخ 05/06/2026 أظهرت إرادة صلبة بدفع الأمور قدماً. رسالته واضحة: الفرصة تأتي من رحم الأزمة، وخيار الدولة لا بد أن يسلك طريقه.
في الأفق تلوح إرادة دولية تلتقي فيها المصالح عند تقاطعات واضحة:
- الأميركي: الطاقة والاستقرار
- الإسرائيلي: الأمن والاقتصاد
- اللبناني: الخروج من المأزوم والانهيار
- الإيراني: لعب الوقت المستقطع لتعديل موقع نفوذه الإقليمي وفق قواعد "الشرق الأوسط الجديد" التي يرسمها الراعي الدولي بآلياته الجديدة.
الرسالة الداخلية
هنا يمكن مقاربة التطورات بمصطلحات الرئيس عون نفسه. رسائله الداخلية تؤكد جدية المسار ونهائيته. الهدوء النسبي الذي يفرضه حدث دولي كبير ككأس العالم يعطي إيحاءً بتهدئة تسمح للحوار بأن يكون أساساً لترسيخ أي قوة ميدانية.
تصريح الرئيس بأن السلاح غير الشرعي لا يمثل الشعب هو تطور نوعي وحرص شديد، ورسالة واضحة للجميع: نحن أمام مرحلة جديدة عنوانها "مفهوم الدولة".
التحدي: الطبقة السياسية
استكمال هذا الخطاب يتطلب أن ينسحب على الطبقة السياسية كاملة. المطلوب وقف "الإرهاب الداخلي" المتمثل بالإمعان بالفساد والتسبب بالانهيار. على الرئيس والمؤسسات الرسمية - حكومة ونواب وأحزاب - أن تستمر بهذه الصحوة ولو متأخرة، وتخلع ثوب الميليشيات وأساليبها التي لم تعد تنطلي حتى على رموزها. بادية عليهم الخجل من سلوكهم.
مسؤولية اللحظة
بعد فك عقدة التفاوض واتضاح نتائجها، لا بد من وضع حد للتفلت الحاصل. الجميع أمام مسؤولية استنهاض البلد ليعود للتحليق بحلم إعادة بناء الدولة، الضامن الوحيد لسلام حقيقي ودائم.
مسؤولية النهوض تبدأ بالشعور الوطني والعمل بمسؤولية عالية. الفرصة الإقليمية والدولية سانحة، علينا التقاطها قبل أن تفلت. حان الوقت للتحول من بلد الفرص الضائعة إلى بلد يلتقط لحظته ويعيد نفسه إلى الخريطة الإنسانية.