أين ستولد المنطقة التجريبية الأولى في جنوب لبنان؟

area

لا يدور النقاش هذه المرة حول خطوط تماس أو خرائط عسكرية أو ترتيبات وقف إطلاق النار، ما يُطرح في الكواليس يتجاوز ذلك إلى سؤال أكثر حساسية يتعلق بشكل الحياة اليومية في القرى الجنوبية بعد أي انسحاب إسرائيلي محتمل، ومن الجهة التي ستدير الأرض والخدمات والأمن في مرحلة يفترض أن تكون مختلفة عن كل ما سبقها.

وفي هذا السياق، تحدثت تقارير إسرائيلية عن أن المفاوضات المرتقبة بين لبنان وإسرائيل قد تتناول إنشاء مناطق نموذجية في الجنوب تنتقل إدارتها بصورة كاملة إلى الدولة اللبنانية، على أن يتولى الجيش اللبناني مسؤولية الأمن فيها ضمن آلية يجري الاتفاق على تفاصيلها خلال المباحثات المقبلة.

العميد المتقاعد خليل الحلو يرى في حديثه إلى LebTalks أن الفكرة لا ترتبط بإقامة منطقة أمنية بالمعنى التقليدي، وإنما بمشروع متكامل يبدأ من إعادة تأهيل البنية التحتية والمرافق العامة والخدمات الأساسية، لتصبح الدولة المرجعية الوحيدة للسكان في مختلف تفاصيل حياتهم.

ويشرح أن نجاح أي تجربة من هذا النوع يتطلب حضوراً فعلياً للمؤسسات الرسمية على الأرض من المدارس والإدارات العامة إلى مراكز التدريب المهني والمشاريع الاقتصادية والزراعية، بحيث يشعر المواطن أن احتياجاته اليومية تؤمنها الدولة مباشرة وأن العلاقة مع المؤسسات الرسمية تصبح جزءاً طبيعياً من الحياة العامة.

ووفق الحلو، فإن أي منطقة تجريبية محتملة يفترض أن تكون واقعة جنوب نهر الليطاني وأن ترتبط أولاً بانسحاب إسرائيلي من المواقع التي لا تزال القوات الإسرائيلية موجودة فيها، لأن أي بحث في ترتيبات جديدة يبقى مرتبطاً بمسألة السيطرة على الأرض وإنهاء الوجود العسكري الإسرائيلي.

ويشير إلى أن بعض المناطق تبدو أكثر ملاءمة من غيرها لاحتضان هذه التجربة ويضع الناقورة في مقدمة الخيارات المطروحة نظراً إلى مساحتها المحدودة وطبيعتها الجغرافية الواضحة وسهولة إدارة الخدمات فيها مقارنة بمناطق أوسع وأكثر تعقيداً.

وعند البحث عن نماذج مشابهة حول العالم، يلفت الحلو إلى أن الحالة المطروحة في جنوب لبنان تختلف عن معظم التجارب المعروفة، لأن الحديث لا يتعلق بإعادة بناء دولة بعد حرب شاملة ولا بإعادة تأسيس نظام سياسي كامل، وإنما بإدارة مساحة محددة داخل دولة قائمة تمتلك مؤسساتها ودستورها وأجهزتها الرسمية.

ومع ذلك يستحضر تجربتي ألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية، ليس من باب التشابه المباشر وإنما لجهة التحولات العميقة التي شهدتها مؤسسات الدولتين وإعادة تنظيم دور الدولة والأجهزة الأمنية والإدارية فيهما، مع التأكيد أن المقارنة تبقى محدودة بسبب الفارق الكبير بين إعادة صياغة دول كاملة وبين تطبيق تجربة موضعية ضمن منطقة جغرافية محددة في جنوب لبنان.

وبين ما يُتداول في التقارير وما قد تفضي إليه المفاوضات المقبلة بين 23 و25 حزيران الحالي، يبقى السؤال الأهم مرتبطاً بقدرة الدولة اللبنانية على تحويل أي منطقة نموذجية إلى نموذج قابل للحياة والاستمرار، لأن نجاح التجربة لن يقاس بعدد الحواجز العسكرية أو حجم الانتشار الأمني، وإنما بمدى قدرة المؤسسات الرسمية على ملء الفراغ الذي تركته سنوات طويلة من الواقع الموازي للدولة.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: