لم يمر كلام المسؤولين الإسرائيليين عن اتجاه تل أبيب إلى تسليم الجيش اللبناني السيطرة على مناطق في جنوب لبنان مرور الكرام. فالتصريح الذي تزامن مع حديث عن برامج تدريب ودعم أميركية للمؤسسة العسكرية اللبنانية فتح الباب أمام قراءة مختلفة لما يحصل التحضير له خلف الكواليس، وأعاد طرح سؤال أساسي حول شكل الجنوب في المرحلة المقبلة والجهة التي ستتولى الإمساك بالأرض بعد انتهاء الترتيبات العسكرية والأمنية المستمرة.
وفي الكواليس التي تُرسم فيها ملامح اليوم التالي للجنوب، يتقدم اسم الجيش اللبناني إلى واجهة المشهد أكثر من أي وقت مضى، كركيزة يتم البناء عليها لإعادة تثبيت التوازن على طول الحدود الجنوبية، وسط قناعة تتوسع داخل الأوساط الديبلوماسية والأمنية بأن أي ترتيبات قابلة للحياة تحتاج إلى مرجعية واحدة تمسك بالأرض وتدير الأمن وتمنع الانزلاق نحو مرحلة جديدة من الفوضى.
المعلومات المتقاطعة من أكثر من جهة متابعة للملف تشير إلى أن النقاش لم يعد محصوراً بموعد انسحاب القوات الإسرائيلية من النقاط التي لا تزال تحتلها، وإنما انتقل إلى البحث في الجهة التي ستملأ الفراغ وكيفية إدارة المرحلة اللاحقة. ومن هنا يبرز الجيش اللبناني باعتباره المؤسسة الوحيدة القادرة على الانتشار الشرعي، وصاحبة الحضور المقبول داخلياً وخارجياً في آن معاً.
وتلفت مصادر واسعة الاطلاع عبر LebTalks إلى أن المقاربة الدولية للمرحلة المقبلة تنطلق من فكرة أساسية مفادها أن استقرار الجنوب يحتاج إلى قوة نظامية قادرة على فرض الاستقرار الميداني ومنع أي احتكاك قد يعيد إشعال الجبهة. لذلك تتزايد الاتصالات والضغوط الهادفة إلى رفع جهوزية المؤسسة العسكرية وتأمين ما تحتاجه من عتاد وتجهيزات وتمويل.
وفي هذا السياق يكتسب الحديث عن برامج تدريب ودعم أميركية أهمية خاصة، إذ تنظر جهات غربية إلى الجيش اللبناني على أنه الطرف الأكثر قدرة على استيعاب متطلبات المرحلة المقبلة. كما يتم التداول بخطط دعم تتجاوز إطار المساعدات التقليدية لتشمل تعزيز القدرات اللوجستية والتقنية ورفع مستوى الجهوزية العملياتية للوحدات المنتشرة في الجنوب.
وتقول إن الرهان الدولي لا يقتصر على الدور الأمني المباشر، فوجود الجيش في المناطق الحدودية يُنظر إليه أيضاً كعامل طمأنة للسكان وللمكونات المحلية كافة، وعنصر يخفف منسوب التوتر ويؤسس لبيئة أكثر استقراراً في منطقة دفعت أثماناً باهظة خلال السنوات الماضية.
ومن هنا تكتسب التحركات التي يقودها قائد الجيش رودولف هيكل أهمية استثنائية، إذ تتركز الجهود على تأمين شبكة دعم مالية مستدامة تسمح للمؤسسة العسكرية بمواكبة حجم المسؤوليات المنتظرة، خصوصاً أن أي مهمة بهذا الحجم تحتاج إلى إمكانات تتناسب مع التحديات الميدانية والأمنية والإنسانية التي سترافق مرحلة ما بعد الحرب.
المشهد لا يزال مفتوحاً على احتمالات متعددة، غير أن المؤشرات المتوافرة حتى الآن، وفي مقدمها ما صدر عن المسؤولين الإسرائيليين بشأن تسليم الجيش اللبناني زمام السيطرة في الجنوب، توحي بأن المؤسسة العسكرية تتجه لتكون اللاعب الرئيسي في المرحلة المقبلة،وأن نجاح أي تسوية سيُقاس بقدرتها على تثبيت الاستقرار وترجمة التفاهمات السياسية إلى واقع أمني ملموس على الأرض.