لم يعد الحديث عن مكافحة الفساد يقتصر على الشعارات التي تتكرر مع كل استحقاق سياسي، فالمشهد داخل مؤسسات الدولة يوحي بأن مرحلة جديدة تتشكل بهدوء، عنوانها نقل الملفات من الأدراج إلى القضاء، ومن التداول السياسي إلى المسار القانوني، وفي الكواليس يتردد أن ما حصل خلال الأشهر الماضية لم يكن مجرد جمع للمعطيات، وإنما عملية متواصلة لتكوين ملفات متكاملة تمهيداً لوضعها أمام الجهات القضائية المختصة، وسط ترقب واسع لما ستكشفه الأيام المقبلة من أسماء وتفاصيل.
وفي هذا السياق، رفع النائب وضاح صادق منسوب الترقب بعدما أعلن أن القرار اتُّخذ في ما يتعلق بملفات الفساد الكبرى، مؤكداً أن المرحلة المقبلة لن تقتصر على الملفات التقليدية، وأن شخصيات ومرجعيات وُصفت بأنها من أصحاب النفوذ ستكون ضمن دائرة الملاحقة إذا أثبتت التحقيقات مسؤوليتها، وهو موقف أعاد إلى الواجهة ملف مكافحة الفساد بوصفه أحد أكثر الملفات حساسية في الحياة السياسية اللبنانية، خصوصاً أن الرأي العام ينتظر منذ سنوات الانتقال من الوعود إلى المحاسبة الفعلية.
وتشير المعطيات المتقاطعة إلى أن الحكومة منذ ولادتها، وضعت هذا الملف ضمن أولوياتها، وعملت بصمت على إعداد مجموعة واسعة من الملفات المرتبطة بإدارات ومؤسسات عامة، وقد أحيل قسم منها إلى القضاء، فيما دخلت ملفات أخرى مرحلة التحقيق، وتشمل مسؤولين تولوا مواقع تنفيذية وإدارية خلال السنوات الماضية، في وقت يجري فيه استكمال التدقيق في ملفات إضافية ينتظر أن تلحق بها تباعاً، وفق الأصول القانونية المعتمدة.
وبحسب معلومات خاصة لموقع LebTalks، فإن ما خرج إلى العلن حتى الآن لا يعكس كامل الصورة إذ تؤكد مصادر متابعة أن العمل القضائي يتقدم بعيداً من الضجيج الإعلامي، وأن عدداً من الملفات بلغ مراحل متقدمة بعد استكمال المستندات والوثائق المطلوبة، الأمر الذي يجعل الإعلان عن نتائجها مسألة وقت وليس موضع نقاش خصوصاً أن القضاء يسعى إلى تجنب أي ثغرات قد تستغل لاحقاً للطعن بالإجراءات أو تعطيلها.
مصدر وزاري أكد لموقعنا أن الحكومة لن تتراجع عن هذا المسار، مشيراً إلى أن هناك ملفات أصبحت في عهدة القضاء بصورة كاملة، وأن الإعلان عنها سيتم تباعاً فور استكمال الإجراءات القانونية، مضيفاً أن المبدأ الذي يحكم هذه المرحلة يقوم على إخضاع جميع المتورطين للمساءلة، من دون تمييز أو استثناء، على أن تكون الكلمة الفصل للأجهزة القضائية المختصة، وفق القوانين المرعية الإجراء.
وتكشف قراءات سياسية وقضائية أن نجاح هذه المواجهة لن يقاس بعدد المؤتمرات الصحافية أو التصريحات، وإنما بقدرة المؤسسات على إصدار أحكام نهائية وتنفيذها، لأن التجارب السابقة أظهرت أن كثيراً من الملفات بدأت بضجة كبيرة ثم انتهت إلى الجمود نتيجة التدخلات السياسية أو التعقيدات الإجرائية وهو ما يجعل المرحلة الحالية اختباراً فعلياً لاستقلالية القضاء ولجدية الدولة في تحويل شعار المحاسبة إلى واقع ملموس.
وفي موازاة ذلك، يلفت متابعون إلى أن أي تقدم في هذا الملف ستكون له انعكاسات تتجاوز الداخل اللبناني، إذ تتابع الجهات الدولية والدول المانحة مسار الإصلاحات بدقة وتربط أي دعم مالي أو استثماري بقيام الدولة بخطوات عملية في مكافحة الفساد وتعزيز الشفافية، ما يمنح هذه التحقيقات بعداً يتصل أيضاً باستعادة الثقة بلبنان ومؤسساته.
لهذا، تبدو الأيام المقبلة مرشحة لكشف ما إذا كانت البلاد تقف فعلاً أمام بداية مرحلة مختلفة أم أن الملفات ستصطدم مجدداً بجدار الحسابات السياسية، وبين هذين الاحتمالين، يبقى الثابت أن الأنظار تتجه إلى القضاء، حيث ينتظر اللبنانيون أن تتحول الوعود إلى قرارات وأن تتحول القرارات إلى محاسبة لا تستثني أحداً، مهما كان موقعه أو حجم نفوذه.