في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تشهدها المنطقة، تكتسب زيارة الرئيس الحكومة نواف سلام إلى تركيا أهمية سياسية تتجاوز بعدها البروتوكولي، إذ تفتح الباب أمام قراءة أوسع لدور أنقرة في المرحلة المقبلة، وانعكاسات ذلك على لبنان.
وفي هذا السياق، قدّم الباحث في الشؤون التركية جو حمورة، عبر LebTalks، قراءة للمشهد السياسي والإقليمي، تناول فيها أبعاد الزيارة ومستقبل الدور التركي في لبنان.
أهمية الزيارة وتوقيتها
أكد حمورة أن أهمية الزيارة تكمن في توقيتها المتزامن مع التحولات الجيوسياسية المتسارعة في المنطقة. ورأى أنها تمثل محاولة من الحكومة اللبنانية لاستكشاف موقع لبنان ضمن خارطة التحولات الجديدة، وحشد الدعم الإقليمي والاقتصادي للمرحلة الانتقالية المقبلة، إلى جانب التأكيد على سعي بيروت إلى بسط سيادة الدولة الكاملة بالتعاون مع القوى الإقليمية المؤثرة، وفي مقدمها تركيا.
وأشار إلى أن الزيارة تأتي بعد تصريحات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قبل أسبوعين، والتي قال فيها إن "أمن تركيا الإقليمي يبدأ من حلب ودمشق وبيروت".
طبيعة الزيارة
واعتبر حمورة أن الزيارة لم تتجاوز الإطار الديبلوماسي التقليدي، إذ لم تشهد توقيع أي اتفاقيات ثنائية استثنائية أو الإعلان عن شراكات سياسية أو اقتصادية نوعية.
وأوضح أن الأولوية التركية في المرحلة الحالية تتمثل في ملف الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان، أكثر من التركيز على الشراكات الاقتصادية، لافتًا إلى أن العلاقات بين أنقرة وبيروت جيدة أساسًا، ولا سيما مع رؤساء الحكومات السابقين سعد الحريري ونجيب ميقاتي، وبالتالي فإن الزيارة تندرج في سياق استكمال هذه العلاقة، لا في إطار تحول استثنائي.
هل يتعارض الدور التركي مع المواقف العربية؟
استبعد حمورة حصول أي صدام، مشيرًا إلى أن التحرك التركي في المنطقة يجري بالتوازي مع شبكة من العلاقات الهادئة مع عواصم عربية رئيسية، مثل القاهرة والرياض، فضلًا عن عضوية أنقرة في حلف شمال الأطلسي (الناتو).
أضاف أن تنامي الدور التركي الداعم لسيادة الدولة اللبنانية، وحصر السلاح بيدها، والمطالبة بالانسحاب الإسرائيلي، يتقاطع إلى حد كبير مع التوجهات العربية والغربية، ويمكن أن يشكل عامل استقرار إضافيًا.
هل تتدخل تركيا في الشأن اللبناني؟
ورأى حمورة أنه لا يمكن وصف الدور التركي بالتدخل المباشر، موضحًا أن المقاربة التركية الحالية ترتكز على "القوة الناعمة"، من خلال الاستثمار الاقتصادي وتقديم المساعدات الإنسانية.
أضاف أن أنقرة تحرص على دعم المؤسسات الرسمية اللبنانية واستقلالية القرار اللبناني، تفاديًا لإثارة حساسيات داخلية أو إقليمية.
وأكد أنه، مقارنةً بدول أخرى كإيران والولايات المتحدة، لا يمكن اعتبار أن تركيا تمارس تدخلًا مباشرًا أو واسع النطاق في لبنان.
العلاقة مع الولايات المتحدة
وفي ما يتعلق بالطرح الأميركي بشأن الدور التركي، أوضح حمورة أن هذا الموقف يعكس رغبة واشنطن في ضبط التحرك التركي وضمان عدم خروج أنقرة عن الخطوط الحمراء الغربية في أي مواجهة إقليمية محتملة مع إيران.
أضاف أن الرئيس أردوغان سيواصل، على الأرجح، سياسة التوازن التي يعتمدها منذ سنوات، إذ إنه، رغم عضوية تركيا في حلف الناتو، يحرص على الحفاظ على هامش مناورة واسع يحمي المصالح التركية في الشرق الأوسط وعلاقاتها مع قوى غير غربية، ما يجعله يفضّل أداء دور الوسيط على الانخراط العسكري المباشر.
هل يمكن نشر قوات تركية أو تابعة للناتو في جنوب لبنان؟
نفى حمورة هذا الاحتمال، مؤكدًا أن حلف الناتو يتحرك بقرار جماعي وليس عبر مبادرات منفردة من الدول الأعضاء.
أضاف أنه لا توجد أي مؤشرات إلى توجه لنشر قوات تركية أو قوات تابعة للناتو في جنوب لبنان، مشيرًا إلى أن إسرائيل ترفض هذا الخيار بشكل قاطع.
وخلص حمورة إلى أن الدور التركي في لبنان لا يزال محكومًا بمقاربة ديبلوماسية تقوم على دعم مؤسسات الدولة وتعزيز الاستقرار، مع الحرص على الحفاظ على التوازنات الإقليمية، من دون الانخراط في أدوار عسكرية أو خطوات من شأنها تغيير قواعد اللعبة القائمة في المنطقة.