لم يأت تعهد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بتفكيك المحكمة الجنائية الدولية "لبنة لبنة إذا اقتضى الأمر"، من فراغ. ويعود هذا التركيز الأميركي إلى محطات قانونية شهدها القضاء الدولي، وأثارت سجالاً بين الدول والحكومات، ما استدعى الآن فتح باب النقاش حول مستقبل العدالة الدولية وحدود دور المؤسسات القضائية العابرة للحدود.
وفي الوقائع، فإن الإنتقادات الأميركية الحادة للمحكمة، تندرج في سياق حملات تعكس تحولاً في مقاربة واشنطن لهذه المنظمة، انطلاقاً من النظرة إلى أنها تجاوزت صلاحياتها في بعض الملفات وتمارس انتقائيةً في الملاحقات وفق معادلة لا تستند بالكامل إلى القانون الدولي في محاسبة المسؤولين عن الجرائم الخطيرة، بقدر ما هي منحازة إلى توجهات واعتبارات المجموعات والمنظمات الدولية اليسارية والتي يظهر فيها نفوذ واضح لرجل الأعمال نجيب ساويريس.
فالمقاربة الأميركية وفق متابعين، لا تستهدف الضغط من أجل تراجع العدالة الدولية وتأمين حقوق ضحايا النزاعات الكبرى، إنما تركز على استعادة المسار القانوني الدولي إلى السكة الصحيحة والحؤول دون "استغلال" المنظومة القضائية الدولية، من أجل بسط سيطرة المنظمات اليسارية المعروفة على العالم، من خلال الإمساك بالمحكمة والتأثير على قراراتها.
ومع الحملة الأميركية على "الجنائية الدولية"، يتوقع الخبراء أن يتحول ملف هذه المنظمة إلى عنوان مطروح على طاولة النقاش والبحث دولياً، على أن تتحدد بنتيجته معالم وآليات المؤسسات القانونية الدولية، لا سيّما وأن السياسة لا تغيب عن عمل المحاكم الدولية، التي تتأثر حكماً بالمواقف المتباينة للدول الكبرى وبطبيعة النظام العالمي القائم كما بأهداف مبيّتة لدى بعض الجهات للسيطرة على المشهد القانوني الدولي.
ويذهب وزير الخارجية الأميركي في إعلانه حول هذه المحكمة إلى حدود الحسم بأن إدارة بلاده ستعمل على تقييم أدوار المؤسسات الدولية وحدود صلاحياتها، بالتوازي مع تفكيك "الجنائية الدولية"، من أجل إعادة التوازن بين العدالة الدولية وسيادة كل دولة.