رئيسة تايوان قرّرت زيارة الولايات المتحدة الأميركية ليومين في سياق زيارة رسمية لأميركا الوسطى تعرّج خلالها على الولايات المتحدة الأميركية حيث من المقرّر أن تلتقي خلالها رئيس مجلس النواب الأميركي الجمهوري كيفن مكارثي في ولاية كاليفورنيا، لكنها لن تقابل لا الرئيس جو بايدن ولا نائبته كمالا هاريس.
هذه الزيارة أثارت امتعاض الصين بشكلٍ لافت لدرجة أن بكين أعلنت رفضها الزيارة، مهدّدةً بردّ قوي، واصفة لقاء تساي انج وين بمكارثي بالحلقة الجديدة في مسلسل استفزاز أميركا للصين في ملف تايوان.
صحيفة فايننشال تايمز فجّرت قنبلة سياسية من العيار الثقيل حيث كشفت أن كل رؤساء تايوان عندما يزورون الولايات المتحدة الأميركية لا تتجاوز مدة إقامتهم ساعات على الأرض الاميركية، الأمر الذي اختلف مع رئيسة تايوان الحالية بحيث أن واشنطن تصرّ على استبقاء الضيفة التايوانية أياماً بدل ساعات.
ومن المقرّر أن تقيم تساي انج وين في مدينة نيويورك، ومن هناك تسافر الى غواتيمالا لمتابعة جولتها الرسمية، علماً أن ١٣ دولة فقط في العالم تعترف بتايوان كدولة سيدة ومستقلة، ومعظمها دول فقيرة مثل دولة بليز فضلاً عن هندوراس وباراغواي وجزر السيشال ودولة الفاتيكان وغواتيمالا وسواها، وهي دول صغيرة اعترفت بتايوان في مقابل مساعدات مالية تقدّمها تايبيه لشعوب تلك الدول باستثناء دولة الفاتيكان طبعاً.
هذه الدول الصغيرة والفقيرة لا تقيم علاقات مع الصين بسبب أن الصين تشترط في كل علاقاتها الدولية على مَن يرغب بإقامة علاقات معها عدم الاعتراف بتايوان كدولة مستقلة،
لذا فضّلت هذه الدول الاعتراف بتايوان على الانصياع للشرط الصيني ما أضعف علاقاتها ببكين.
وللعلم أنه حتى الولايات المتحدة الأميركية التي زارت رئيسة مجلس نوابها السابقة الديمقراطية نانسي بيلوسي خلال ولايتها تايوان لا تعترف بها رغم كل الدعم الأميركي المعلن والحقيقي لتلك الجزيرة.
واشنطن سارعت منذ لحظة إعلان زيارة رئيسة تايوان العرضية لأميركا الى التأكيد على استمرار سياستها الرسمية بالصين الواحدة، وأن لا تغيير في تلك السياسة مع الصين، وما استقبال الرئيسة التايوانية الا من باب الضيافة والحد الأدنى من متطلبات الإستقبال.
وزير الخارجية الأميركي أنطوني بلينكن أكد ثبات سياسة واشنطن تجاه الصين الواحدة، نافياً دعم استقلال تايوان ومتمنّياً حل الخلافات سلمياً.
وفي خلفيات زيارة تساي انج وين لدول أميركا الوسطى ما تردّد من ضغط صيني على هندوراس لسحب اعترافها بتايوان، وقد أثمر الضغط الصيني إعلان هندوراس منذ يومين قطع علاقاتها مع تايوان، كما الإعلان عن إقامة علاقات بالمقابل مع الصين، فزيارة رئيسة تايوان تأتي في سياق تدعيم اعتراف الدول ال١٣ بالجزيرة وعدم إتباع خطوة الهندوراس.
لقاء وين بمكارثي سيشكل إشكالية متفجّرة مع بكين كونه دستورياً الرجل الثالث في الولايات المتحدة الأميركية بعد الرئيس ونائب الرئيس، وكان مكارثي قد أعلن غداة انتخابه خلفاً لبيلوسي أنه سيكرّر نفس زيارة سلفه الى تايوان.
واشنطن، ورغم عدم اعترافها بتايوان، إلا أنها تعتبر أن الجزيرة "خنجر في خاصرة التنين الصيني" ينفع الإمساك به لإبقاء الضغط على بكين في المسائل الإقليمية وفي ملفات المواجهة الدولية بين الغرب وتحديداً أميركا والصين.
الصين من جهتها مع الزعيم تشي جينبينغ لا تريد الخوض في مواجهات وصراعات عسكرية، وقد انتقدت حتى إعلان حليفها الأول الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إرسال ترسانة صواريخ نووية تكتيكية الى بيلاروسيا لأن أولويات بكين هي إقتصادية ودبلوماسية بالدرجة الأولى، وهذا ما يشجع واشنطن على المضي قدماً في استفزاز التنين الصيني بأي شكلٍ لجره لمواجهات.
بالتوازي، يُلاحظ أنه ومنذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، تخفض أوروبا من تبادلاتها التجارية مع بكين بعدما أصبحت القارة العجوز أسيرة إرادة واشنطن في إدارة الحرب مع روسيا، وقد توقّفت على سبيل المثال عملية تصدير المايكرو شيبس الأوروبية الى الصين لإعطاء الأولوية في تصنيعها الى تايوان.
صحيفة نيو يورك تايمز ألقت من جهتها ضوءاً آخر على سرّ من أسرار زيارة رئيسة تايوان الحالية، إذ كشفت عن أن الرئيس التايواني السابق المنافس الرئيس للرئيسة الحالية زار الصين مؤخراً وأعلن من هناك أن جميع التايوانيين صينين، علماً أن انتخابات تتحضر في الجزيرة لشهر كانون الثاني ٢٠٢٤ المقبل.
مصير العلاقات بين تايوان والصين مجدداً على بساط البحث لا سيما وأن منافس الرئيسة التايوانية الحالية المقرّب من الصين يسعى لإقناع الشعب التايواني بأنه الوحيد القادر على إنهاء سوء التفاهم مع بكين وتأمين عرض اتفاق سلام مع الجار الصيني وإقامة علاقات ديبلوماسية معه.
الرئيسة التايوانية تعتبر أميركا حليفتها الأولى والأساسية رافضةً العلاقات مع الصين،
وزيارتها ولقاؤها برئيس مجلس النواب الأميركي مكارثي سيدفع ببكين الى تصعيد المناورات العسكرية قبالة مياه تايوان واستنفار وحدات جيشها وتشديد الضغط على الجزيرة.
إنه صراع شرق آسيا بين واشنطن وبكين، بحيث أن كلاً منهما ممسك بأوراق تؤذي الآخر، فيما تايوان هي المسرح والضحية تماماً كما معظم ساحات المواجهة ومنها أوكرانيا.
بكين واعية للفخّ الذي تنصبه واشنطن لها بالوقوع في مواجهة عسكرية مع تايوان، علماً أن ثمن الحرب بالنسبة لبكين سيكون باهظاً إذ بمجرد إقفال مضيق تايوان سيتكبّد الإقتصاد الصيني خسائر فادحة لا تقل عن ٢٥% من دخل الصين القومي فضلاً عن خسائر حربية ستتكبّدها.
واشنطن تدرك تماماً نقاط قوة وضعف الصين وأهم نقاط الضعف لبكين هي الجيش الصيني الذي لم يخض حروباً منذ الأربعينيات تقريباً، وبالتالي إعداده لغزو تايوان سيتطلب وقتاً كبيراً لناحية تدريب العسكر الصيني، تماماً كما حال الجيش الروسي الذي يعاني في أوكرانيا نتيجة عدم تمرّسه في الحروب منذ فترة زمنية طويلة، خلافاً للجيش الأميركي الذي خاض إجتياحات وحروباً في مناطق عدة من العالم مثل أفغانستان والعراق وسوريا وسواها.
من هنا، فإن أي حرب مستبعَدة من جانب الصين راهناً، والضغوط الصينية ستُترجم زيادةً في المناورات العسكرية والتضييق الاستراتيجي على تايوان من دون الوصول الى خوض مواجهة مباشرة بين الصين وتايوان ومن خلفها واشنطن وحلفائها الإقليميين مثل أوستراليا وكوريا الجنوبية وفيتنام وتايلاند والفيليبين وسواهم.