لم تعد خافيةً على أحد تلك الوثبة الجبارة للمملكة العربية السعودية لإنهاض المنطقة وإنقاذ الدول العربية من النير الإيراني، والتي مهّدت لها بالاتفاق مع إيران برعاية الصين وضمانتها.
لن نكرّر ما سبق لنا وكتبناه في معرض شرحنا وتحليلنا للاتفاق السعودي- الإيراني- الصيني، لكن ما ينبغي التشديد عليه هو أن الديبلوماسية السعودية الجديدة والمنفتحة على محور إيران في المنطقة هي في الواقع "رفع سعودي" للتحدّي بإمكانية حل الملفات الإقليمية بصورة جذرية بدل القوى العظمى وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية، التي كانت خلال العقد الأخير ولا سيما منذ ٢٠١١ تتلاعب بورقة الشرق الأوسط خدمةً لمصالحها أولاً، ما جعل الحلول الجذرية للمشاكل بعيدة، وبالتالي تعمّقت الأزمات والحروب والتوترات تبعاً لنهج المدّ والجذر الأميركي، بحيث كانت الولايات المتحدة تعمل على إستمرار التوتّرات الإقليمية لإبقاء مصالحها مؤمنة.
أهمية إنجازات الديبلوماسية السعودية أنها كشفت حقيقة التلاعب الغربي بمصير دول المنطقة واستخدامها كعناصر ومرتكزات لسياسات المراوحة والحفاظ على الخوف لتمرير الأجندات العربية والإسرائيلية في المنطقة.
الرياض قالت لهم : "تريدون حلولاً حاسمة وحازمة تنهي تأثير "البعبع الإيراني" على المنطقة وتلاعبه بمصير دولها المحتلة؟ اليكم ما يجب فعله، وقد باشرت بفعله وتحقيق إنجازات مفاجئة وباهرة في الملفات الشائكة كافة.
مَن كان ليعتقد في الأمس القريب بإمكانية "تدجين" إيران وثورتها وسطوتها على ٤ دول عربية ؟
مَن كان ليعتقد في الأمس القريب أن إيران ستقبل بشروط مصيرية لنظامها تبدأ بكف يدها عن التدخّل في شؤون دول المنطقة ولا تنتهي بوقف دعم ميليشياتها، وبالتالي وقف مشروعها التوسعي في المنطقة وتوجيه ضربة لتصدير الثورة.
إيران بعد الاتفاق مع السعوديين بدأت تخلع عنها عباءة الثورة لتعود الى لبس عباءة الدولة العادية الطبيعية مثلها مثل الدول جيرانها،
وها أن الرياض بقيادتها الرائدة والشجاعة والذكية، والتي تجمع بين خبرة الملك الوالد سلمان وجرأة ولي عهده الأمير محمد بن سلمان وإقدامه وتصميمه، تتوجه اليوم نحو سوريا لبدء خطوات إعادتها الى الحضن العربي لكن … من دون ضمان استمرار نظام الأسد الذي اقتربت جداً نهاية فترة صلاحيته،
وها هو العراق يدخله السعوديون تمهيداً لفتح طريق دمشق.
الرياض اليوم دخلت بغداد ومن البوابة الإيرانية بالذات وفي هذا أكبر تحدٍّ تكسبه المملكة، ومن أوائل نتائج الاتفاق مع إيران، فلبغداد رمزيتها العربية وللعراق دوره العربي الريادي بعد ما تم إضعافه وتفتيته، وها أن الرياض تعيد اليه الروح العربية والوجود العربي، ومن بغداد ستدخل الرياض الى دمشق.
منطقة الشرق الأوسط في بحر هائج وعلى دول المنطقة أن تعرف أين تقف والمملكة اختارت وقفتها مكاناً وزماناً، على أن تلحق بها سائر دول المنطقة.
العالم انقسم إثر دخول روسيا الى أوكرانيا وبدأت تظهر توازنات جديدة بتغيير النظام العالمي وإنهاء أُحادية الولايات المتحدة التي استمرت زهاء ٣٣ عاماً بعد انهيار الاتحاد السوفياتي،
وبالتالي من الطبيعي من وجهة نظر السوسيولوجيا السياسية أن تتحرّك الدول في الاتجاهات التي تراعي مصالحها وتقيها بالحد الممكن من تداعيات هذه الزلازل الدولية العاصفة.
ما حصل في الواقع أن روسيا دخلت أوكرانيا بناءً لأوهام وغاصت في المستنقع الأوكراني.
الصين من جهتها وقبل دخول روسيا الى أوكرانيا بدأت تلعب لعبة اليوان الصيني أي الورقة الاقتصادية لكون بكين لا تريد الدخول في حروب وصراعات بل تريد إيجاد فرص وبناء علاقات تساعدها على الدخول في سباق مع الدولار الأميركي،
فمحاولات الصين إصطدمت بالقوة الاقتصادية للدولار الذي لا يزال مسيطراً،
ونتيجة دخول روسيا الى أوكرانيا أصبح لا بدّ على الدول أن تتلمّس خياراتها واستراتيجياتها، وأولى هذه الدول كانت المملكة العربية السعودية التي وجدت نفسها أمام خيار صعب : إما انتهاء العالم العربي وسط العواصف الدولية والذهاب ضحية رسم النظام العالمي الجديد، وإما الإمساك بزمام المبادرة ومحاولة لملمة المشاكل الإقليمية،
من هنا فأن كل الحراك السياسي والديبلوماسي السعودي الإقليمي لا يهدف فقط الى إنقاذ الرياض نفسها وحل مشاكلها، بل وأيضاّ انتشال المنطقة ودولها المتأزمة من وحول تداعيات الصراع الدولي.
ذكاء الديبلوماسية السعودية وحنكتها أنها لم تنغمس في انقسامات العالم بل استثمرتها لصالحها وصالح دول المنطقة وكل العرب، فهي لم تصطف مع معسكر ضد الآخر بل انفتحت على المعسكرين لتأخذ من كل منهما ما يلبّي استراتيجياتها وأهدافها ومصالحها كما مصالح دول المنطقة، ومنها استغلت لحظة الضعف الإيراني ولحظة الحاجة الروسية ولحظة طموحات الصين تجاه دول الخليج والمنطقة،
فعرفت الرياض بالتالي أين تقف وسط هذا البحر الهائج، فهي لم تفرّط بتحالفها مع الأميركيين ولكن لم تخضع لكل طلباتهم وبخاصة لتلك التي لا تصب في خدمة مصالحها ومصالح دول المنطقة، والدليل الأخير أنها وبالتزامن مع الانفتاح على الصين وتوقيع الاتفاق مع الإيرانيين أبرمت الرياض أكبر صفقة شراء طائرات بوينغ مدنية مع واشنطن .
منذ قمة الرئيس الأميركي جو بايدن مع المملكة ودول الخليج والدول العربية الأساسية انطلقت إشارة عدم الانحياز وعدم الرضوخ الكلي لواشنطن وطلباتها،
فأرسلت الرياض وزير خارجيتها الى روسيا وحُكي عن مشروع وساطة سعودية لإنهاء الحرب في أوكرانيا.
في هذه الأثناء، كانت إيران تتكىء أكثر فأكثر على الصين بعد أن شعرت بعدم قدرة روسيا على احتضانها، فدُعي الرئيس الصيني شي جين بينغ الى الرياض لإبرام صفقات تجارية وصناعية ضخمة مع المملكة.
بكين لم تكن لتحلم بهذه الاتفاقيات وبالشراكة الضخمة مع المملكة، و راهناً هناك تنفيذ لمشروع بناء معمل كيماويات في بكين بتمويل سعودي، فبالموازنة بين المنافع من إيران والمنافع من المملكة العربية السعودية، أدرك الصيني أهمية وأولوية الشراكة مع السعوديين فتراجعت بذلك أجندة الصين الإيرانية.
إيران باتت في وضع لا تُحسد عليه من الاحتجاجات المتواصلة في الداخل الإيراني وسقوط هيبة نظام ولاية الفقيه في الشارع والأضواء الغربية العدائية التي بدأت تُسلّط عليها خصوصاً بعد تحالفها مع روسيا وشراكتها في التسليح ضد أوكرانيا، وقد بلغ هذا الضغط حد انضمام الأميركيين مع الإسرائيليين لإعداد ضربة للبرنامج النووي الإيراني.
كل هذه الضغوط على نظام الملالي في إيران أضعف الأخيرة وأشعرها بالوحدة ففتحت الرياض منفذاً للإيرانيين من خلال إعطائهم علاقات لكن بشروط سعودية لم يكن أمام طهران سوى القبول بها.
بشار الأسد لمسَ من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين انهماكاً في حربه مع أوكرانيا والغرب، ولمسَ في دولة الإمارات تركيزاً على عودة معزّزة ومكرّمة للنازحين السوريين، بما يعني إصدار حكم إعدام على نظامه.
العراق مقبلٌ على متغيّرات مهمة في سياق العودة الى الحضن العربي، وحكام بغداد الحاليين نحو الزوال لاستبدالهم برجالات العراق الأصيلين ومَن بقي منهم على قيد الحياة، والنظام السوري على طريق الزوال في ظل قوة عربية تشرف على الحل السياسي.
إسرائيل وبعد الاتفاق السعودي- الإيراني لم تعد تستطيع استكمال إجراءات ومحاولات التطبيع مع الرياض إلا اذا قبلت تل أبيب بمبادرة السلام العربية. أما مشكلة تل أبيب مع طهران فمتروكة لهما لحل مشكلة النووي كما يرونه، إذ لا دخل للعرب بعد اليوم في ملف إيران النووي لأن هذا الملف سُحب من يد الإيرانيين في الاتفاق السعودي- الإيراني- الصيني، ولذا فأن بديل الحرب الإقليمية في إسرائيل هو شبه حرب أهلية تتظهّر مؤشراتها حالياً في الداخل الإسرائيلي.
القيادة في المملكة أثبتت للجميع أن مَن يعمل لصالح بلده وشعبه يحترمه شعبه وتحترمه الدول سواء القريبة أو البعيدة، أما القيادة التي تعمل خلاف مصالح شعبها فلها نهاية الذل والمهانة داخلياً وخارجياً.
القيادة السعودية نجحت ليست فقط في فرض احترامها على العالم بل وأيضاً في حمل إدارة بايدن الديمقراطية على التراجع الكلي عن التهديد والوعيد للمملكة، وها هي حركة الموفدين الأميركيين ذهاباً وإياباً منذ أيام الى الرياض بدءاً من وليام بيرنز رئيس الاستخبارات الأميركية، مروراً بالسيناتور لاندسي غراهام أكثر المتشددين حيال ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، والذي تبعه بالأمس منسق شؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مجلس الأمن القومي الأميركي بريت ماكغورك الذي زار الرياض واجتمع مع وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان.
ماكغورك تبعه الى الرياض كبير المستشارين الأميركيين لشؤون أمن الطاقة العالمي آموس هوكستين،
والمسؤولين الأميركيين الأخيرين يُعتبران الأكثر أهمية داخل إدارة بايدن لناحية القطيعة التي حصلت بين الجانبين بعد قرار تخفيض أوبيك بلاس لإنتاج النفط مؤخراً، والذي أثار موجة سخط وغضب أميركي عشية التجديد النصفي للكونغرس ومجلس الشيوخ.
الصحف الأميركية تناولت ظاهرة تزايد الزيارات الأميركية الى المملكة في الآونة الأخيرة عازيةً الأسباب الى السعي لعودة العلاقات بين واشنطن والرياض الى سابق عهدها، من زيارة وزير الخارجية السعودي الى كييف مؤخراً وتقديم مساعدات كبيرة للرئيس زيلنسكي، وصفقة البوينغ التاريخية حيت اشترت المملكة عشرات الطائرات بعشرات مليارات الدولارات، وصولاً الى العمل على إنهاء الحرب في اليمن.
الحقيقة أن كل هذا التحرّك الأميركي باتجاه السعودية إن دلّ على شيء فعلى شعور إدارة بايدن بأنها في أزمة حقيقية كون المملكة قد سحبت البساط من تحت أقدام أميركا في ما يتعلق بأهم ملف ابتزاز ألا وهو الملف اليمني والإيراني، وعدم وجود إرادة أميركية لمواجهة الإرهاب الإيراني ومكافحته،
فالسعودية تمكّنت من الدخول في "بازار" مع الصينيين بحيث قبلت بوساطتهم وكفالتهم التوافق مع إيران لكن بشروط الرياض وهذا ما حصل.
الرياض قالت كلمتها والعبرة في التزام إيران، والمرحلة المقبلة خير دليل على صدق النوايا .