تسريب وثائق أميركية سرّية حول حرب أوكرانيا: فضيحة جيو سياسية بامتياز

واشنطن

فضيحة تسريب بالغة السرّية تهزّ أركان وكالات الأمن القومي الأميركية منذ ساعات، تلك الوكالات لا تزال تبحث في سبل مشاركة المعلومات الأكثر حساسية داخل الحكومة الأميركية والتعامل مع التداعيات الدبلوماسية الناجمة عن تسريب عشرات الوثائق السرّية بكافة خطط واستراتجيات حرب أوكرانيا ومساعدة كييف عسكرياً.
قد لا تكون المرة الأولى التي تواجه فيها الإدارة الأميركية مثل هذه التسريبات لوثائق ومعلومات في غاية السرّية، لكن هذه المرة جاءت الفضيحة للكشف خطط واشنطن في مؤازرتها لكييف مع الناتو من التسليح إلى التدريب إلى التزويد بالسلاح النوعي.
بدايةً دعونا نلفت إلى أن معلومات مؤكدة تشير إلى أن مظّلة الدفاعات الجوية الأوكرانية هي مهدّدة بالزوال اعتباراً من شهر أيار المقبل، ما يعني انكشافاً خطيراً ومدمّراً للأجواء الأوكرانية في وجه المقاتلات الروسية، فموسكو تنتظر نفاد المظلّة الدفاعية الجوية لكييف لنبدأ هجوماً مدمراً على أوكرانيا.
برأي الخبراء العسكريين وأجهزة الاستخبارات الأميركية في واشنطن فإن الحل الوحيد يبقى في تزويد كييف بمقاتلات F16، إلا أن الرئيس الأميركي جو بايدن، حتى الآن، يرفض تزويد كييف بمثل هذه المقاتلات، فهل أن معطيات المعركة على أرض الميدان الأوكراني مقبلة على تبدّلات وتحرّكات دراماتيكية في الأسابيع المقبلة؟ وهل الموقف الأميركي الرافض لتزويد كييف بمقاتلات F16 يدخل ضمن سيناريو إجبار كييف على التفاوض مع الروس بعد إضعافها؟ وهل يتحمّل الأميركية مسؤولية إضعاف كييف وإخضاعها للروس وشروطهم في الوقت الذي أشار فيه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلنسكي إلى أن توقف واشنطن عن مدّ كييف بالسلاح يعني بكل بساطة خسارة أوكرانيا عسكرياً لصالح موسكو؟
منذ تعيين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين سيرجي سلوفوكين قائداً للعمليات في أوكرانيا، ثمة تركيز عسكري روسي على استنزاف وسائل الدفاعات الجوية الأوكرانية شيئاً فشيئاً من خلال تكثيف عمليات إطلاق مسيّرأت إيرانية من نوع " شاهد 136" باستمرار فوق الأراضي الأوكرانية لاستهداف بنى تحتية مدنية في العمق الأوكراني، كي يعمد الجيش الأوكراني إلى إسقاط تلك المسيّرات الهجومية، بما أدى ويؤدي كل مرة وكل يوم إلى استنزاف القدرات الجوية للأوكرانيين، وصولاً إلى إضعافها والقضاء عليها، في وقت كان الغرب يكتفي باتهام روسيا بضرب مدنيين وبارتكاب جرائم حرب وإبادة ضد الشعب الأوكراني من دون النظر بعمق استراتيجي وجيوعسكري إلى حقيقة ما كانت ترمي اليه موسكو من ضرب الأهداف المدنية، والمتمثّل بإضعاف قدرات الجيش الأوكراني الدفاعية الجوية واستنزافها.
صحيفة وول ستريت جورنال نقلت منذ يومين عن مصادر عسكرية استخباراتية أميركية تخوفاً كبيراً لا بل قلقاً كبيراً من استنفاد كييف لدفاعاتها الجوية ومنظومات صواريخها من طراز S300 بحلول شهر أيار المقبل، وبالتالي قد تخسر كييف معركة الأجواء، فذخيرة المنظومات الصاروخية ومنها S300 بدأت تنفد لدى كييف، وقد كشفت إحدى الوثائق السرية المسرّبة امتلاك أوكرانيا 25 بطارية S300، وقد بدأت ذخيرة تلك البطاريات بالتضاؤل بسبب كثافة الاستخدام، وقد كشفت وثيقة مسرّبة أن أوكرانيا تطلق شهرياً نحو 250 صاروخاً، ما يعني أن ما كشفت عنه الوثائق المسرّبة هو أمر خطير جداً لاسيما أن منظومتي بوك وS300 بدأت ذخائرها بالنفاد على مسافة أيام معدودة لبوك وأسبوعين لS300.
أما في واشنطن فقد برزَ رأي للاستخبارات الأميركية حول محاولة توفير الذخيرة من الدول التي تملك المنظومات الدفاعية الجوية نفسها، غير أن الجواب سرعان ما جاء بأن تلك الدول زوّدت كييف بأقصى ما يمكن تزويدها بذخائر للمنظومتين وبالتالي لا قدرة لديها لتزويد كييف بكميات أكبر، علماً أن البلد الوحيد الذي يمتلك مخزوناً مهماً من ذخيرة S300 هو اليونان، من هنا سبب زيارة وزير الدفاع الأوكراني الأخيرة إلى أثينا طلباً لمدّ كييف بهذا النوع من الذخائر.
المخابرات المركزية الأميركية لم تكشف عن نتائج تلك الزيارة وعما اذا كانت اليونان قد وافقت على إمداد كييف بخيرة إضافية لمنظومة صواريخها.
من جهة أخرى، يجب الإشارة إلى أن منظومات الصواريخ الغربية الأخرى من باتريوت وسواها، والتي تزوّدت بها كييف من قِبل دول الناتو، مشكلتها بأن مداها الدفاعي الصاروخي متوسط، وقد سُلّمت لكييف من أجل الدفاع عن العاصمة في وجه أي عدوان روسي، فضلاً عن أن تدريبات الجنود الأوكرانيين على استخدامها لم تنتهِ بعد.
قد تكون الوثائق الأخيرة المسرّبة والتي تحتوي على بعض ما أوردناه أعلاه، هي الأكثر تأثيراً منذ نشر الآف الوثائق على موقع ويكليكس في العام ٢٠١٣، فيما رويترز من جهتها إطّلعت على أكثر من وثيقة تحمل ختمي " سرّي و سرّي للغاية"، كاشفةً نقاط الضعف لدى الجيش الأوكراني إلى جانب معلومات عن بعض الحلفاء ومنهم إسرائيل وكوريا الجنوبية وتركيا، فيما وزارة العدل الأميركية فتحت تحقيقاً جنائياً للتعرّف على مصدر تسريب هذه الوثائق، مع الإشارة إلى أن ثمة مَن لا يستبعد أن يكون التسريب قد تم من قبل أنشطة سابقة لوكالات المخابرات الروسية، بحيث قد يقف عملاء روس وراء نشر الوثائق المتعلقة بأوكرانيا بغرض التضليل، الأمر الذي يدخل في إطار الممارسات " الكلاسيكية" لأجهزة التجسّس الروسية والتي تقوم على تسريب وثائق أصلية وإدخال معلومات كاذبة عليها.
وفيما يبدو أن تسريب الوثائق الخاصة بحرب أوكرانيا يهدف إلى دقّ إسفين بين أوكرانيا والولايات المتحدة التي هي أكبر مورّد للأسلحة إلى كييف،فإن خبراء الأمن القومي ومسؤولين أميركيين يعتبرون بأنهم يشتبهون بأن مَن سرّب هذه المعلومات هو أميركي نظراً للعدد الكبير من المواضيع التي تتضمنها الوثائق،لكنهم لا يستبعدون أيضاً أن تكون عناصر مؤيدة لروسيا تقف وراء هذه التسريبات، كما أن هذا التسريب سيسبب أزمة ثقة جديدة بين واشنطن وحلفائها من أوروبيين ويابانيين وأتراك.
المسؤول الثاني في وزارة الدفاع الأميركية قال في مقابلة مع رويترز إن الأمر " سيستغرق بعض الوقت لإعادة بناء الثقة مع حلفائنا"، فيما وزارة الدفاع الأميركية أعلنت أنها بصدد " تقييم صحة الوثائق المصوّرة والمتداولة على شبكات التواصل الاجتماعي"، لكنها أقرّت بأنها "تحتوي على ما يبدو على معلومات حساسة وسرية جداً".
وزارة العدل الأميركية من جهتها فتحت تحقيقاً بينما تقيّم وزارة الدفاع العواقب المحتملة لعملية التسريب هذه على الأمن القومي الأميركي، ويمكن أن تشكل الوثائق التي تطال الدول الشريكة للولايات المتحدة إحراجاً لواشنطن، خصوصاً تلك التي تشير إلى عمليات تجسّس أميركية محتملة على حلفاء مقرّبين.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: