أوهام وجود محور إيراني ـ صيني ـ روسي

iran-china-and-russia

كتب جورج ابو صعب:

لا تزال بعض الأقلام المتأثرة ببعض التصريحات السياسية والإعلامية في محور ما يُسمّى بالمقاومة، ولا سيما الإيرانية منها، تعيش في أوهام وجود محور داعم لإيران ونظامها، وخصوصاً الصين وروسيا.

دعونا نقول بكل صراحة وشفافية علمية إن هذا الكلام فارغ من أي مضمون ومن أي صحة، ذلك أن حسابات الصين في مكان، وحسابات روسيا في مكان آخر.

فإيران تتبع أسلوب المناورات المعلنة وغير المباشرة بهدف تحقيق مكاسب سياسية واقتصادية من دون الانخراط في مواجهة شاملة.

أما الاتفاقيات ومذكرات التفاهم الإيرانية التي يتم تداولها في الإعلام، فهي متعددة الأشكال والمضامين ولا تتشابه في ما بينها، ما يعكس تكتيكاً مرناً، لكنه غير موحّد.

وقد أدت حرب الأربعين يوماً الأخيرة إلى تراجع قسم كبير من القدرات الإيرانية، بما في ذلك خسارة جزء مهم من القوة الدفاعية الجوية، ما فرض قيوداً على القدرة الدفاعية في مواجهة أي هجوم جوي، فضلاً عن التأثير على القدرات البحرية في بعض الارتفاعات، وتدمير القسم الأكبر من منظومات الصواريخ، في ظل غياب أي إمدادات لوجستية روسية أو صينية جوهرية خلال فترة النزاع، خلافاً لكل ما قيل ويُقال.

فالأسلحة التي ظهرت أخيراً، والتي أسقطت طائرتين أميركيتين كانتا تحلقان على علو منخفض فوق الأراضي الإيرانية جنوباً، كانت عبارة عن منظومات محمولة على الكتف، وليست أسلحة استراتيجية ثقيلة.

لذلك، فإن أي دعم خارجي لإيران، إن وُجد، يبقى محدوداً وقليل الفعالية.

أما في ما يُثار حول دور الصين في تسليح ودعم النظام الإيراني، فدعونا نشير بداية إلى أن الصين ليست مستعدة لتحمل كلفة مواجهة اقتصادية مع الولايات المتحدة من أجل دعم إيران عسكرياً، بسبب اعتمادها الكبير على الأسواق الخارجية لتصريف صناعاتها.

وقد تبيّن أن الضغوط بين بكين وواشنطن تتركز على قضايا مثل تايوان، وأن إيران تُستخدم كورقة ضغط أو نقطة تفاوض، لكنها ليست سبباً يدفع الصين إلى خوض حرب مع الولايات المتحدة.

لذلك، من غير المرجح أن تقدم الصين دعماً عسكرياً واسعاً لإيران، ولا سيما أن بكين أبرمت مع الرئيس ترامب، خلال لقاء القمة الأخير، صفقات تجارية واستثمارية مع كبرى الشركات الأميركية، بلغ عددها 17 شركة، وقد رافق رؤساء هذه الشركات الرئيس ترامب إلى الصين.

كما تم التوقيع على صفقات تُقدّر بتريليونات الدولارات، من شراء مئات طائرات بوينغ، إلى شراء فول الصويا من الولايات المتحدة، وصولاً إلى خفض الرسوم على البضائع الصينية في الأسواق الأميركية من 130% إلى 45%، الأمر الذي يسهم أيضاً في تحسين الظروف المعيشية للمواطن الأميركي، فضلاً عن السماح الأميركي للصين بشراء الشرائح الإلكترونية اللازمة لصناعاتها التكنولوجية.

أما في ما يخص تايوان، فقد أوقف الرئيس ترامب صفقة سلاح بقيمة 12 مليار دولار، فيما أقرت حكومة تايوان بمبدأ وحدة الأراضي الصينية، مقابل امتناع الصين عن غزو الجزيرة عسكرياً.

أما بالنسبة إلى روسيا ودعمها للنظام الإيراني، فقد اقتصر الأمر على تبادل معين للذخائر أو بعض المساعدات المحدودة بين روسيا وإيران، لكن فكرة وجود محور صيني – روسي – إيراني موحّد تبدو مبالغاً فيها إلى حد كبير.

أما المفاوضات، فهي مستمرة ومرتبطة بمصالح سياسية وتجارية، ولا يُتوقع حسمها سريعاً، رغم تصريحات بعض الشخصيات بأنها باتت قاب قوسين أو أدنى.

وفي هذا السياق، نشير إلى أن الرئيس فلاديمير بوتين أجرى اتصالاً مطولاً مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب قبل توجه الأخير إلى بكين، استمر ساعة ونصف الساعة، جرى خلاله البحث في الملفات المشتركة بين البلدين والتنسيق حول كيفية إنعاش الاقتصاد الروسي عبر استثمارات أميركية، مقابل خطة سلام لأوكرانيا.

كما سجلت زيارة الرئيس بوتين إلى الصين غداة القمة الأميركية – الصينية بهدف تنسيق النتائج وتأمين موارد مالية لروسيا، التي لجأت بالفعل إلى بيع بعض أصولها لتأمين السيولة.

وبالتالي، فإن روسيا أضعف حالياً من أن تقف إلى جانب النظام الإيراني في مواجهة الولايات المتحدة، وهي في الواقع مستفيدة من إغلاق مضيق هرمز.

وقد تبيّن أن إغلاق الممرات البحرية وارتفاع مستوى التوتر أسهما في زيادة أرباح منتجي الطاقة والدول المصدرة لها، مع ارتفاع أسعار أسهم وشركات النفط والغاز، فيما تكبدت دول أخرى خسائر اقتصادية وعانت من قيود في التصدير والتبادل التجاري.

كما ذُكر أن تخفيف العقوبات أو تعديل السياسات التجارية يمكن أن يخفف من حجم الضغوط الاقتصادية.

وبالتالي، ورغم كل ما يُقال ويُشاع حول وجود محور صيني – إيراني – روسي، فإن الحقيقة تكمن في مكان آخر، وتحديداً في شبكة المصالح الاقتصادية والتجارية والمالية التي تحدد السياسات وترسم الاستراتيجيات الكبرى.

وقد بدا شخص مثل إيلون ماسك مرتاحاً لفتح السوق الصينية أمام صناعاته، التي تستفيد منها الصين في توسيع شبكات الذكاء الاصطناعي وتطوير الصناعات الثقيلة في أكثر من مجال علمي وتجاري متقدم.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: