"لبنان لا يقوم إلاّ على الاحترام المتبادل، ولا يُبنى إلاّ بالدولة"، بهذه الروحية التي لطالما عبّر عنها البطريرك مار نصرالله بطرس صفير، يمكن قراءة ما يحصل اليوم في لبنان، أزمة ليست أمنية فقط، ولا سياسية فقط، بل أزمة حدود بين الدولة والدويلة، بين حرية الرأي والترهيب، بين الشراكة الوطنية ومحاولات الإلغاء المقنّع.
ما شهدته الأيام الأخيرة من تطاول على رموز دينية مسيحية لا يمكن إدراجه في خانة السجال السياسي العابر. عندما يُستهدف رمز ديني مسيحي، أو تُستخدم لغة التخوين والإهانة بحق مرجعيات دينية، فالمسألة تتجاوز شخص المستهدف لتطال شريحة واسعة من اللبنانيين تشعر بأن هناك من يريد كسر حضورها المعنوي والسياسي. وفي بلد قام على التوازنات الدقيقة، يصبح المسّ بالرموز الدينية لعباً بالنار، لأن هذه المرجعيات ليست مجرد أفراد، بل تمثّل ذاكرة جماعات وهواجسها ودورها الوطني.
الأخطر أن هذا المناخ تزامن مع مشهد أمني بالغ الدلالة في الضاحية الجنوبية لبيروت، حيث واجه عناصر من حزب الله وحدات من الجيش اللبناني لمنع توقيف مطلقي النار ومصادرة أسلحة من نوع B7. هنا لا يعود السؤال عمّن أطلق النار فقط، بل عمّن يقرّر من يُحاسَب ومن يُمنَع عن المحاسبة. حين يُمنع الجيش من تنفيذ مهمته، تكون الرسالة أخطر من الحادثة نفسها، هناك من يريد تكريس مناطق فوق القانون، وسلطات موازية لسلطة الدولة.
وهذه المشاهد تفسّر تحديداً الحراك السياسي الموازي قبل أيام، اجتماع عدد من النواب السنّة لم يكن تفصيلاً بروتوكولياً، بل رسالة مزدوجة إلى الداخل والخارج. إلى رئيس الجمهورية بأن هناك غطاءً وطنياً لمسار التفاوض الذي يُدار باسم الدولة اللبنانية، وإلى المجتمع الدولي بأن شريحة وازنة من المكوّن السني تقف خلف منطق المؤسسات لا خلف منطق الساحات المفتوحة. في بلد تتقاذفه الاصطفافات، يصبح أي تموضع داخلي داعم للدولة عنصراً أساسياً في إعادة رسم ميزان القوى السياسي.
أما في ما يخصّ الحديث المتزايد عن عودة الاغتيالات في الداخل اللبناني، فإنّ جزءاً كبيراً من هذا الكلام يدخل في إطار الضغط النفسي ورفع منسوب الخوف أكثر ممّا يستند إلى معطيات حاسمة. صحيح أنّ لبنان عرف في مراحل سابقة استخدام الاغتيال كأداة سياسية وأمنية، لكن الوقائع الحالية تشير إلى أن أي انزلاق نحو هذا المسار سيحمل كلفة باهظة على الحزب نفسه قبل غيره.
وهنا نصل إلى البعد الدولي الأوسع، المشهد الحالي يقول بوضوح إن ايران والولايات المتحدة لا تريدان حرباً شاملة، الدليل الأوضح أن أياً من الطرفين لم يستأنف المواجهة العسكرية المباشرة، رغم وفرة الأسباب والذرائع. هذا لا يعني انتهاء الصراع، بل انتقاله إلى ساحة أخرى: الاقتصاد.
الإدارة الأميركية، بقيادة الرئيس دونالد ترامب تعتبر أن إضعاف إيران اقتصادياً أكثر جدوى من حرب عسكرية مكلفة. العقوبات، العزل المالي، خنق شبكات التمويل، واستنزاف القدرة على تمويل الأذرع الإقليمية، كلها أدوات تحقق أهدافاً استراتيجية بأكلاف أقل من الصواريخ والطائرات. وفي المقابل، تدرك طهران أن فتح مواجهة كبرى اليوم قد يهدد ما تبقّى من قدراتها الاقتصادية والاجتماعية، لذلك تميل إلى إدارة الاشتباك لا تفجيره.
من هنا، فإن الساحة اللبنانية تبدو إحدى ساحات هذا التحوّل الكبير. كلما تقدّمت الدولة اللبنانية في تثبيت احتكارها للقرار الأمني والسياسي، وكلما توسّع الغطاء الداخلي لمسار التفاوض والمؤسسات، تراجعت قدرة القوى الخارجة عن الدولة على فرض شروطها. وكلما ارتفعت نبرة التطاول على الرموز الدينية أو تعطيل الجيش أو بثّ شائعات الاغتيالات، بدا واضحاً أن أصحابها يشعرون بأن الزمن لم يعد يعمل لمصلحتهم.
لبنان اليوم أمام مفترق دقيق، إما العودة إلى منطق الدولة التي تحمي الجميع وتحاسب الجميع، وإما البقاء رهينة مربعات النفوذ والخوف. وكما قال البطريرك صفير في أكثر من محطة، لا خلاص للبنان إلاّ بقيام دولة فعلية. وما نراه اليوم ليس إلاّ المعركة الأخيرة بين هذا المنطق، ومنطق يريد للبنان أن يبقى ساحة لا وطناً.