ليس النقاش الدائر حول العفو العام تفصيلاً قانونياً عابراً. في بلد طبيعي، يمكن للعفو أن يكون باباً لتصحيح خلل قضائي، أو معالجة اكتظاظ السجون، أو إنهاء ملفات طال انتظارها. أمّا في لبنان، فالعفو يتحوّل سريعاً إلى مرآة تكشف عمق الأزمة، من يملك حقّ المسامحة، ومن يحق له أن يطوي صفحة الدم، وهل يجوز أن تتحوّل الجرائم الواقعة على الدولة وجيشها إلى بند تفاوض سياسي؟
الخطورة اليوم لا تكمن في فكرة العفو بحدّ ذاتها، بل في محاولة إدخال ملفات شديدة الحساسية في سلّة واحدة، موقوفون متورطون بقتل عسكريين، إسلاميون، مطلوبون، مبعدون إلى إسرائيل، وملفات أمنية متراكمة منذ سنوات. هنا لا يعود العفو إجراءً إصلاحياً، بل يصبح اختباراً لمفهوم الدولة نفسه.
فالجيش ليس طرفاً في نزاع أهلي حتى يُساوَم على دم عناصره، والاعتداء على العسكريين ليس جريمة شخصية يمكن إسقاطها بمنطق التسويات. إنّه اعتداء مباشر على الدولة، على آخر مؤسسة لا يزال اللبنانيون يراهنون عليها وسط انهيار المؤسسات. لذلك، أي نقاش حول إخلاء سبيل من قتلوا الجيش يجب أن يبدأ من سؤال واحد، ماذا يبقى من هيبة الدولة إذا كان قاتل الجندي يستطيع أن ينتظر لحظة سياسية مناسبة ليخرج منها؟
في المقابل، يطرح ملف المبعدين إلى إسرائيل إشكالية مختلفة، لكنها لا تقلّ حساسية. فهؤلاء ليسوا كتلة واحدة، ولا يجوز التعامل معهم بمنطق الانتقام الجماعي أو البراءة الجماعية. هناك من غادر في ظروف خوف، وهناك من تورّط، وهناك من يحتاج ملفه إلى تدقيق قضائي لا إلى شعار سياسي. المطلوب هنا ليس العفو الأعمى، بل عدالة تميّز بين الحالات، وتفصل بين العودة الإنسانية والمحاسبة القانونية.
لكن المشكلة أن لبنان لا يناقش هذه الملفات من موقع دولة واثقة من نفسها، بل من موقع دولة مرتبكة. وهذا ما يجعل كل عفو مشبوهاً، وكل تسوية قابلة للانفجار.
من هنا، لا يمكن فصل هذا النقاش عن قضية "العقيد العراقي الوهمي"، فالقضية ليست مجرّد انتحال صفة أو عملية نصب أمنية. توقيف طارق الحسيني بعد اتهامه بانتحال صفة مسؤول أمني عراقي ولقائه أمنيين وضباطاً يكشف حجم الثغرات داخل البيئة الرسمية اللبنانية، وحجم القابلية للاختراق عندما تختلط البروتوكولات بالعلاقات والواجهات والنفوذ.
هذه القضية تقول للبنانيين إن الخطر لا يأتي فقط من السلاح غير الشرعي أو الحدود المفتوحة، بل أيضاً من هشاشة المؤسسات نفسها. فإذا كان شخص قادراً على صناعة صفة أمنية وهمية وفتح أبواب حساسة، فكيف يمكن الاطمئنان إلى قدرة الدولة على إدارة ملفات أكبر، العفو، الحدود، التفاوض، السجون، والاختراقات؟
وهنا يلتقي الداخل بالخارج، فلبنان الذي يناقش العفو ويكتشف ثغراته الأمنية، يستعد في الوقت نفسه لجولة محادثات جديدة في واشنطن يومي 14 و15 أيار، بمشاركة السفير السابق سيمون كرم، ضمن مسار ترعاه الولايات المتحدة بين لبنان وإسرائيل. الخارجية الأميركية وصفت الجولة بأنها "مكثفة ومفصّلة"، والهدف المعلن دفع النقاش نحو اتفاق أمني وسياسي أوسع.
لكن السؤال الأهم ليس ماذا سيقال في واشنطن، بل من أي موقع سيجلس لبنان إلى الطاولة؟ هل يفاوض كدولة واحدة بقرار واحد، أم كبلد لا يزال يتنازع داخله على معنى السيادة والسلاح والحدود والشرعية؟
فالخارج لا يقرأ لبنان من خلال البيانات فقط، يقرأه من خلال قدرته على ضبط حدوده، حماية جيشه، منع الاختراقات، وحصر قرار الحرب والسلم بيده، لذلك، أي ضعف داخلي يتحوّل فوراً إلى خسارة تفاوضية في الخارج.
وتتضح الصورة أكثر مع زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى دمشق، حيث فُتحت ملفات الحدود، السجناء، الموقوفين، النازحين، والعلاقات الاقتصادية. الزيارة حملت محاولة لإعادة صياغة العلاقة اللبنانية ـ السورية بعد سقوط النظام السابق، لا على قاعدة الوصاية القديمة ولا القطيعة الكاملة، بل على قاعدة المصالح بين دولتين.
لكن العلاقة الندية مع سوريا، كما التفاوض مع إسرائيل، لا تُبنى بالشعارات. تُبنى بدولة تعرف ماذا تريد، وتملك قرارها، وتستطيع أن تقول للداخل والخارج إن حدودها ليست سائبة، ومؤسساتها ليست مخترقة، وجيشها ليس مادة مساومة.
أما إقليمياً، فالمنطقة كلها تتحرك على حافة تسوية أو انفجار. واشنطن وطهران تتقدمان بحذر نحو تفاهم محتمل، فيما يبقى مضيق هرمز الورقة الأثقل في يد إيران. التقارير الأخيرة تحدثت عن رد إيراني على مقترح أميركي لإنهاء الحرب عبر الوسيط الباكستاني، بالتزامن مع مسعى أميركي ـ خليجي في مجلس الأمن للضغط ضد تعطيل الملاحة في المضيق.
ومضيق هرمز هنا ليس تفصيلاً جغرافياً، إنّه شريان الطاقة العالمي. أي تصعيد فيه لا يرفع أسعار النفط فحسب، بل يضرب الاقتصاد العالمي، ويحوّل كل ساحات النفوذ الإيراني، من لبنان إلى اليمن والعراق، إلى أوراق تفاوض أو ضغط.
وهنا تكمن خطورة اللحظة اللبنانية، فلبنان ليس خارج هذا الصراع، هو جزء من خريطته. وعندما تتفاوض واشنطن مع طهران، وعندما يُفتح ملف هرمز، وعندما تُستأنف محادثات لبنان وإسرائيل، يصبح الداخل اللبناني جزءاً من معادلة أكبر.