التربية "تسقط" في أول امتحان للانسانية!

wizaret-l-tarbye

في كل دول العالم، عندما تندلع الحروب أو تقع الكوارث، تصبح الأولوية حماية الإنسان قبل أي استحقاق إداري أو أكاديمي.

وحده لبنان يبدو وكأنه يسير في الاتجاه المعاكس، فبينما يعيش الطلاب واحدة من أصعب المراحل النفسية والأمنية في تاريخهم، لا تزال وزارة التربية تصرّ على إجراء الامتحانات الرسمية، وكأن البلاد مستقرة، وكأن الغارات لا تزال مجرد نشرات أخبار، لا واقعاً يعيشه آلاف الطلاب يومياً.

ما حصل أمس في البقاع يجب أن يكون نقطة فاصلة في هذا النقاش، ففي الوقت الذي كان فيه طلاب البريفيه يؤدون امتحاناتهم الوطنية، استهدفت غارة إسرائيلية مبنى ملاصقاً لمركز الامتحانات، ما أثار حالة من الهلع بين الطلاب والمراقبين والأهالي.

صحيح أن أحداً لم يصب داخل المركز، لكن هل المطلوب انتظار وقوع كارثة حتى يعاد النظر بالقرار؟ هل أصبحت سلامة الطلاب مرتبطة بالحظ، لا بخطة واضحة تحميهم؟

المشكلة لم تعد مرتبطة بالامتحانات نفسها، بل بالإصرار على إجرائها مهما كانت الظروف. وكأن المطلوب إثبات أن الدولة قادرة على تنفيذ روزنامتها، حتى لو كان الثمن صحة الطلاب النفسية أو أمنهم الجسدي. فالطالب الذي يدخل قاعة الامتحان وهو يسمع أصوات الطائرات والانفجارات، ليس طالباً يخضع لتقييم علمي، بل إنسان يحاول النجاة نفسياً قبل أن يجيب عن أسئلة الرياضيات أو الفيزياء.

في هذا السياق، تكشف مصادر تربوية واسعة الاطلاع لـLebTalks عن أن الإصرار على إجراء الامتحانات الرسمية في ظل الحرب لا يمكن تبريره تربوياً أو أكاديمياً، معتبرة أن الوزارة تتعامل مع الاستحقاق وكأنه معركة لإثبات الحضور، لا عملية تربوية هدفها تقييم الطلاب بعدالة. وتؤكد المصادر أن الامتحانات فقدت اليوم أحد أهم شروطها، وهو تكافؤ الفرص، إذ لا يمكن مساواة طالب أمضى الأشهر الماضية متنقلًا بين الخوف والغارات والنزوح والانقطاع عن الدراسة، بآخر تابع عامه الدراسي في ظروف أكثر استقراراً.

وتشدد المصادر على أن طرح تأجيل الامتحانات إلى كانون الثاني ليس حلًا أيضاً، لأنه سيؤدي إلى تأخير آلاف الطلاب عن الالتحاق بالجامعات اللبنانية والخارجية، ويهدد بخسارة منح وفرص أكاديمية وسنة جامعية كاملة.

لذلك، فإن حصر النقاش بين "إجرائها اليوم" أو "تأجيلها إلى كانون الثاني" هو، بحسب المصادر، مقاربة خاطئة، لأن الحل يجب أن يكون استثنائياً بقدر استثنائية الظروف.

وتذهب المصادر أبعد من ذلك، معتبرة أن أي شهادة تنتزع تحت القصف والخوف لا تعكس المستوى الحقيقي للطالب، بل تقيس قدرته على تحمل الضغوط النفسية. وتسأل المصادر عبر LebTalks: كيف يمكن لوزارة التربية أن تتحدث عن تقييم علمي، فيما آلاف الطلاب يعيشون منذ أشهر تحت وطأة الحرب، ويخضعون يومياً لضغوط نفسية وأمنية غير مسبوقة؟ فالطالب ليس آلة يمكن تشغيلها يوم الامتحان مهما كانت الظروف، بل إنسان يحتاج أولًا إلى الحد الأدنى من الأمان والاستقرار قبل أن يطلب منه تقرير مستقبله في ساعات قليلة.

وتختم المصادر بالقول إن الإصرار على إجراء الامتحانات بهذه الظروف لن يحمي هيبة الشهادة الرسمية، بل سيضرب صدقيتها، لأن الامتحان الذي يجرى في ظل غياب العدالة والأمان لا يمنح شهادة كفاءة، بل شهادة على عجز الدولة عن حماية طلابها.

وهناك أيضاً جانب لا تتحدث عنه الوزارة، وهو الكلفة النفسية الهائلة التي يدفعها الطلاب. فمنذ أشهر، يعيش هؤلاء تحت ضغط الحرب، والخوف على عائلاتهم، وعدم الاستقرار، والانقطاع المتكرر عن الدراسة. وعندما يضاف إلى كل ذلك ضغط الامتحانات الرسمية، يصبح الطالب أمام عبء يفوق قدرة أي شاب في هذا العمر. لا يمكن مطالبة طالب بأن يقدّم أفضل ما لديه فيما هو لا يعرف إن كان سيعود إلى منزله بأمان بعد انتهاء الامتحان.

ولا يقتصر الأمر على الجانب النفسي، بل يمتد إلى الاستنزاف الاقتصادي الذي تعيشه العائلات اللبنانية. آلاف الأهالي يتكبدون مبالغ طائلة للدروس الخاصة خلال الأسابيع الأخيرة، رغم الأزمة المالية الخانقة.

كثيرون استدانوا أو اقتطعوا من أساسيات حياتهم حتى يؤمنوا لأولادهم فرصة النجاح. وفي ظل استمرار الحرب، تحوّلت الامتحانات إلى عبء مالي إضافي على عائلات بالكاد تستطيع تأمين احتياجاتها اليومية.

إذا كانت الدولة تعتبر أن الهدف من الامتحانات هو قياس مستوى الطلاب، فكيف يمكن قياس مستوى طالب عاش عاماً دراسياً كاملًا تحت القصف والخوف، إلى جانب طالب آخر تابع دراسته في ظروف أكثر استقرارًا؟

أين مبدأ تكافؤ الفرص الذي تقوم عليه أي عملية تقييم تربوية؟ وكيف يمكن الحديث عن عدالة الامتحان فيما الظروف التي سبقته لم تكن عادلة أصلًا؟

قد يكون الحفاظ على الشهادة الرسمية هدفاً مشروعاً، لكن الحفاظ على حياة الطلاب وصحتهم النفسية يجب أن يكون الهدف الأول. فالشهادات يمكن تعويضها، والسنوات الدراسية يمكن استدراكها، أما إذا دفعت البلاد ثمن هذا الإصرار بوقوع مأساة داخل مركز امتحاني، فلن يعود لأي شهادة أو لأي قرار إداري أي قيمة.

لهذا، فإن إعادة النظر في قرار إجراء الامتحانات لم تعد مطلباً شعبوياً أو سياسياً، بل أصبحت ضرورة تربوية وإنسانية. لأن الدولة التي تضع أبناءها أمام خيار الخضوع للامتحان أو مواجهة الخوف، لا تختبر الطلاب، بل تختبر قدرتهم على تحمل ما لا يجب أن يتحمله أي طالب في العالم.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: