كتبت آية الحاج:
في ظلّ الهدنة السارية في لبنان، يعود سؤال المساءلة إلى الواجهة بقوة: من يحاسب صُنّاع الحرب؟ ومن يتحمّل مسؤولية الدمار والخسائر والانقسامات التي تتكرر مع كل مواجهة جديدة؟ فالحرب الأخيرة التي اندلعت بين حزب الله وإسرائيل لم تكن مجرّد مواجهة عسكرية على الحدود، بل تركت آثارًا عميقة داخل المجتمع اللبناني، وأعادت فتح جراح قديمة تتعلّق بالدولة، والسيادة، والانقسام الداخلي، ومستقبل البلاد.
وقد دفع اللبنانيون، كما في كل مرة، الثمن الأكبر. فالمنازل تضرّرت، والمؤسسات أقفلت، والحركة الاقتصادية تراجعت، وعادت موجات النزوح الداخلي إلى الواجهة، فيما عاش المواطنون حالة من القلق والخوف وعدم اليقين. ومع دخول الهدنة حيّز التنفيذ، برزت تساؤلات واسعة: من يقرّر الحرب والسلم؟ وأين دور الدولة اللبنانية في حماية شعبها ومؤسساتها؟
وفي هذا السياق، قال الخبير الدستوري الدكتور مروان الخطيب في حدييث لـLebTalks إنّ "أي دولة حديثة يجب أن يكون قرار الحرب والسلم فيها محصورًا بالمؤسسات الشرعية، وتحديدًا السلطة التنفيذية وفق الدستور والقوانين المرعية". أضاف أنّ "غياب القرار المركزي الواضح يضعف الدولة، ويجعل المواطنين يشعرون بأنّ مصيرهم مرتبط بتوازنات خارج مؤسساتهم الرسمية".
ولم تتوقف تداعيات الحرب عند الجانب الأمني، بل امتدّت إلى الداخل اللبناني حيث تصاعد الخطاب الطائفي والتوتر السياسي بين مختلف المكوّنات. فمع كل تصعيد عسكري، تعود لغة التخوين والانقسام، ويزداد الشرخ بين اللبنانيين حول الخيارات الوطنية الكبرى. ويرى الخبير الدستوري أنّ أخطر ما تخلّفه الحروب ليس فقط الدمار المادي، بل تآكل الثقة بين أبناء الوطن الواحد.
من جهته، أوضح الباحث في الشؤون الاجتماعية الدكتور رامي الأسعد أنّ "الحرب تعيد تنشيط العصبيات الطائفية كلما غابت الدولة الجامعة، لأنّ الناس تلجأ إلى هوياتها الفرعية حين تفقد الثقة بالمؤسسات". وأضاف أنّ "بناء السلم الأهلي يتطلّب خطابًا وطنيًا جامعًا، وعدالة متساوية، وشعورًا بأنّ القانون يسري على الجميع".
أما على المستوى الاقتصادي، فقد زادت الحرب من معاناة بلد يعيش أصلًا أزمة خانقة منذ سنوات. فالاستثمارات تراجعت، والسياحة تأثّرت، والأسعار ارتفعت، فيما وجد آلاف اللبنانيين أنفسهم أمام خسائر جديدة في وقت لم يتعافوا بعد من الانهيار المالي السابق. وهكذا، تتراكم الأزمات فوق أكتاف المواطنين، فيما تغيب المحاسبة الحقيقية.
ومنذ استقلال لبنان العام 1943، لم يعرف البلد استقرارًا طويلًا. فقد شهد أزمات متكررة، وحروبًا داخلية وخارجية، أبرزها الحرب الأهلية بين عامي 1975 و1990، والاجتياحات الإسرائيلية، وحرب تموز عام 2006، إضافة إلى جولات أمنية متعددة في السنوات اللاحقة. وكل حرب كانت تترك وراءها دمارًا جديدًا، من دون استخلاص الدروس المطلوبة لبناء دولة قوية قادرة على منع تكرار المأساة.
ويرى الاسعد أنّ المحاسبة لا تعني فقط تحديد المسؤوليات العسكرية والسياسية، بل تبدأ أيضًا بمحاسبة من أهمل بناء المؤسسات، ومن عطّل القضاء، ومن سمح باستمرار الانقسام والتبعية. فالدول لا تنهض إذا بقيت الأخطاء تتكرر من دون مساءلة.
وبين هدنة قد تطول أو تقصر، يبقى اللبنانيون أمام حقيقة واضحة: لا مستقبل آمنًا من دون دولة قوية، ولا استقرار من دون قرار وطني جامع، ولا عدالة من دون محاسبة كل من يجرّ البلاد إلى الحروب. فالشعب الذي دفع أثمانًا باهظة على مدى عقود، يستحق أخيرًا أن يعيش في وطن يحميه بدل أن يتركه رهينة الصراعات.