كتب جيمي ديب:
في خطوة تعزز حضور جامعة القديس يوسف كمرجع أكاديمي في قضايا الذاكرة والعدالة والسلام، جاءت الشراكة بين قسم التاريخ والعلاقات الدولية في الجامعة وجامعة Caen Normandie ضمن كرسي اليونسكو "الذاكرة ومستقبل السلام"، لتؤكد أن معالجة آثار الحروب لم تعد تقتصر على توثيق الأحداث، بل أصبحت مشروعًا علميًا وإنسانيًا متعدد الاختصاصات.
ويرى رئيس قسم التاريخ والعلاقات الدولية في جامعة القديس يوسف، الدكتور كريستيان توتل، أن أهمية هذه الشراكة تكمن في جمع التاريخ والقانون وعلوم الأعصاب والعلوم الإنسانية ضمن مقاربة واحدة لفهم آثار الحروب على الإنسان والمجتمع، والمساهمة في صياغة ذاكرة وطنية نقدية ومسؤولة تعزز المصالحة وتمنع تكرار العنف.
ويشير في حديث لـLebTalks إلى أن علوم الأعصاب باتت تمنح فهماً أعمق لكيفية تأثير الحروب والعنف على الدماغ البشري، ليس فقط على مستوى الأفراد، بل أيضاً على مستوى المجتمعات، إذ تترك الصدمات الجماعية آثاراً عصبية ونفسية طويلة الأمد تؤثر في الذاكرة، والإحساس بالأمان، والعلاقة مع الآخر، وقد تنتقل آثارها عبر الأجيال من خلال التربية والسرديات الجماعية، وربما أيضاً عبر آليات بيولوجية لا تزال قيد البحث العلمي.
ويؤكد أن هذا الواقع يجعل التعاون بين التاريخ والقانون وعلوم الأعصاب ضرورة، فالتاريخ يوثق الوقائع، والقانون يسعى إلى تحقيق العدالة والمساءلة، فيما تساعد علوم الأعصاب على فهم كيفية تشكل الذاكرة الجماعية، ولماذا تستمر بعض المجتمعات في إعادة إنتاج الخوف والانقسام حتى بعد انتهاء الحروب.
أما مفهوم "تنقية الذاكرة"، فيوضح دكتور توتل أنه لا يعني محو الماضي أو نسيانه، بل تحرير الذاكرة من مشاعر الكراهية والروايات المنغلقة التي تبقي المجتمع أسير الصراع. ففهم الآثار النفسية والعصبية للصدمات يتيح تطوير سياسات تعليمية وثقافية وبرامج للدعم النفسي تساعد الأفراد والجماعات على معالجة الماضي بطريقة صحية، بما يفتح المجال أمام المصالحة وبناء مستقبل مشترك.
وفي الحالة اللبنانية، حيث لا تزال آثار الحرب الأهلية والأزمات المتلاحقة حاضرة في الوعي الجماعي، يعتبر أن هذا التكامل بين القانون والتاريخ وعلوم الأعصاب يمكن أن يشكل أساساً علمياً وإنسانياً لمشروع وطني يعيد بناء الثقة بين المواطنين، ويحوّل الذاكرة من مصدر للانقسام إلى مصدر للتعلم ومنع تكرار المآسي.
ويشير إلى أن هذه الاتفاقية تعزز مكانة جامعة القديس يوسف كمرجع أكاديمي دولي، لأنها تضعها في صلب شبكة علمية عالمية يقودها كرسي اليونسكو "الذاكرة والمستقبل"، وتؤكد التزامها بإنتاج معرفة علمية تخدم قضايا العدالة الانتقالية وبناء السلام وحفظ الذاكرة الجماعية.
كما تمثل الاتفاقية، بحسب توتل، فرصة لتعزيز دور قسم التاريخ والعلاقات الدولية كمركز أكاديمي رائد في دراسة الذاكرة والنزاعات وربط البحث الأكاديمي بقضايا المجتمع، بما يرسخ رسالة الجامعة في خدمة الإنسان وبناء السلام المستدام من خلال المعرفة والحوار.
وعلى المستوى العملي، من المتوقع أن تترجم هذه الشراكة إلى مشاريع بحثية مشتركة، وتنظيم مؤتمرات وندوات دولية، وتبادل للباحثين والخبراء، إضافة إلى تطوير برامج تدريبية موجهة للطلاب والمهنيين في مجالات العدالة الانتقالية والذاكرة والمصالحة.
ويوجه توتل رسالة إلى الشباب اللبناني عبر LebTalks، مؤكداً أن القلق من تكرار أخطاء الماضي أمر مفهوم، وأن الخوف ليس ضعفاً بل دليل وعي بما مر به لبنان، لكنه يشدد في الوقت نفسه على ضرورة ألا يتحول هذا الخوف إلى استسلام، لأن التاريخ لا يعيد نفسه بالضرورة، بل يتغير عندما يختار الناس أن يتعلموا منه.
ويختم بالتأكيد أن هذا المشروع لا يهدف فقط إلى توثيق الذاكرة، بل أيضاً إلى بناء ثقافة الحوار، واحترام الاختلاف، وتحمل المسؤولية المشتركة، لأن المستقبل لا يبنى بنسيان الماضي ولا بالبقاء أسرى له، بل بفهمه واستخلاص دروسه، مع الإيمان بأن الشباب اللبناني يمتلك القدرة على المساهمة في بناء مجتمع أكثر عدالة وسلاماً، وأن التغيير، مهما كان بطيئاً، يبقى ممكناً.
