أظهرت التطورات الإقليمية الجارية جانباً من المغالاة لدى بعض المحللين والساسة الإقليميين والمحليين، ما جعلهم يحكمون ويحللون الأحداث بدوافع عاطفية ومشاعر ذاتية أكثر مما هي عليه في الحقيقة.
وفي جردة سريعة للمواقف المبالغ فيها، نتوقف عند الآتي:
أولاً: لم تخض واشنطن العمليات العسكرية الحالية ضد النظام الإيراني لإسقاطه، بل لتطويعه وتدجينه. فثمة فرق هنا بين رغبة القيادة الإسرائيلية بإسقاط النظام، وبين المصلحة الأميركية بعدم إسقاطه. فالرئيس دونالد ترامب يسعى لتغيير سلوك النظام لا لإسقاطه، وقد قال ذلك منذ اليوم الأول. وعندما نادى المعارضة الإيرانية في الداخل للانتفاضة على النظام، إنما ناداها من منطلق إتاحة الفرصة أمامها للتحرك من الداخل لإسقاطه، مستفيدةً من الضغط الأميركي الخارجي العسكري على هذا النظام.
ثانياً: ما يهم واشنطن من العمليات العسكرية الحالية هو تأمين مصالحها أولاً وأخيراً، وما عدا ذلك من مصالح الأطراف والدول يُعد من قبيل الاستفادة من التقاطعات الجانبية collateral interest التي تتيحها العمليات العسكرية الأميركية. فواشنطن لم تخض تلك العمليات ضد النظام من أجل عيون العرب والخليجيين أو الشعب الإيراني، بل من أجل "تدجين النظام الإيراني" وإضعافه ونزع الحد الأقصى من مخالبِه الممكنة، بما يتيح لها السيطرة على الثروات النفطية والغازية الإيرانية، وتطويع النظام وصولاً إلى عزله وتركه، مع الوقت، يتهاوى ولو بعد 10 أو 15 سنة. وذلك خلافاً للرؤية الإسرائيلية التي يجسدها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وحكومته اليمينية المتطرفة، الراغبة في إسقاط النظام والإتيان بنظام حليف يطمئن إسرائيل لسنوات طويلة.
ثالثاً: العمليات العسكرية الأميركية الجارية حالياً في المنطقة تخضع لأحكام الدستور الأميركي، لا لأهواء وشهوات القادة والشعوب. فالرئيس دونالد ترامب يمتلك مهلة 60 يوماً لصلاحيات شن عمليات عسكرية، وبعد تجاوز هذه المدة عليه العودة إلى الكونغرس للحصول على الإذن بإعلان الحرب. لذلك، ما يجري حالياً ليس "حرباً" بل عمليات عسكرية مركزة، يستفيد منها ومن آثارها المناهضون للنظام الإيراني في المنطقة، من دون أن يعني ذلك استمرار تلك العمليات لخدمة الآخرين أو وفق إرادتهم، سواء كانوا حلفاء لواشنطن أم أصدقاء. ومن هنا، ننبّه إلى أمرين:
الأول: توقّع انتهاء العمليات فور ما ترى واشنطن مصلحة لها وحدها في ذلك، بعيداً عن تمنيات ومشاعر وآمال المعارضين للنظام الإيراني في العالم والمنطقة والداخل الإيراني.
الثاني: عدم التزام واشنطن بمهلة الستين يوماً الدستورية، إذ يمكن للرئيس إعلان انتهاء العمليات غداً أو بعد أسبوع، طالما أن تقدير أهمية ومنفعة العمليات خاضع لمتطلبات المصالح الأميركية أولاً.
رابعاً: هناك لغط كبير بين مفهوم إسقاط إيران ومفهوم إسقاط النظام في إيران، إذ يقع كثيرون في تحليلاتهم ومواقفهم في هذا الالتباس. فليس المقصود مما يجري "إسقاط إيران"، بل "نهج النظام الإيراني". والفارق كبير بين الأمرين. ومن هنا يمكن فهم وتقدير الموقف الخليجي المسؤول، من خلال عدم التورط في الحرب من جهة، والتماسك في مواجهة الهجمات الصاروخية والمسيرة للنظام على دول الخليج، والتصدي الناجح جداً لتلك الهجمات من جهة أخرى.
فدول الخليج متفقة مع الأميركي على عدم إسقاط النظام، منعاً للفوضى العامة وتكرار تجربة العراق مع صدام حسين، وتجربة أفغانستان مع سقوط النظام الموالي للغرب. وفي المقابل، هناك اتفاق على التنسيق والتعاون والتحالف للتصدي لغطرسة هذا النظام الإيراني، وإيقافه عند حده وتقليم أظافره.
وبالتالي، واستناداً إلى كل ما ذُكر أعلاه، علينا كمحللين ومراقبين وسياسيين ألا ننجرف في مقارباتنا لما يجري من أحداث مصيرية في المنطقة نحو ما نتمنى ونصبو إليه، بل نحو حقيقة المعطيات الجيوسياسية الواقعية في الحسابات والاستراتيجيات، مع التأكيد على أننا أمام ولادة شرق أوسط جديد، تتشكل معه موازين قوى جديدة، من دون الفكر الإيراني الإمبراطوري الديني، ومن دون تصدير للثورة.