بعد لقاء عون وترامب.. مساعدات أميركية ضخمة للجيش في الطريق؟

jesh-r9qzxzs9jxekta7x007o9tz97vyj2ek4lv9n2uakgw

في الجنوب اللبناني، دخلت المعادلة الأمنية مرحلة دقيقة لا تُقاس فقط بعدد الجنود الذين سينتشرون في القرى أو بحجم المساحات التي ستصبح تحت إدارة الجيش، فالمسألة هذه المرة ترتبط بامتحان أكبر يتصل بقدرة الدولة اللبنانية على تثبيت حضورها الميداني ضمن ترتيبات تحظى بغطاء أميركي مباشر، فيما تتولى القيادة المركزية الأميركية دوراً متقدماً في متابعة آلية التنفيذ، وتراقب إسرائيل تفاصيل المشهد من زاوية أمنية شديدة الحساسية، في وقت يجد فيه الجيش اللبناني نفسه أمام مهمة تحتاج إلى قوة ميدانية ودعم دولي، وقرار سياسي واضح، وتنسيق دقيق يمنع أي طرف من إعادة عقارب الساعة إلى الوراء.

وبحسب المعطيات المتوافرة، فإن الحديث عن بدء العمل في ما يُعرف بالمناطق التجريبية انتقل من دائرة النقاش السياسي إلى حيز التنفيذ الميداني، مع إعلان وزارة الخارجية الأميركية مباشرة العمليات في بلدات فرون وصريفا وزوطر الغربية ضمن الإطار الثلاثي وتحت إشراف مجموعة التنسيق العسكري الخاصة بلبنان، وهي خطوة قالت واشنطن إنها جاءت نتيجة مباشرة للمباحثات التي جرت الأسبوع الماضي بين لبنان وإسرائيل في روما مع تأكيد أميركي على مواصلة العمل مع الطرفين للوصول إلى تنفيذ الإطار المتفق عليه.

وفي السياق نفسه، أعلن الجيش الإسرائيلي بدء المرحلة التجريبية لمشروع المنطقة الآمنة في جنوب لبنان بالتعاون مع القيادة المركزية الأميركية والجيش اللبناني، في وقت تحدثت فيه الولايات المتحدة عن بدء تطبيق المناطق التجريبية في خطوة تأتي على خلفية الاتفاق الذي أُنجز بين لبنان وإسرائيل في 26 حزيران بعد خمس جولات من المفاوضات، ما يعني أن المرحلة المقبلة ستضع آلية الاتفاق أمام اختبار حقيقي، إذ لن يكون المطلوب من الجيش مجرد الانتشار، وإنما إدارة مساحة أمنية جديدة وفق قواعد محددة، ومراقبة الوضع الميداني، والتعامل مع أي محاولة لإعادة إنتاج واقع أمني سابق.

المشهد اكتسب زخماً إضافياً مع الزيارة التي أجراها قائد القيادة المركزية الأميركية الأدميرال براد كوبر إلى اليرزة في 29 حزيران، حيث بحث مع قائد الجيش العماد رودولف هيكل آخر التطورات في لبنان والمنطقة، وأهمية إنجاح آلية تنفيذ الملحق الأمني لاتفاق الإطار، إلى جانب سبل تعزيز التعاون بين الجيشين، وهي إشارة ذات دلالة إلى أن واشنطن تنظر إلى المؤسسة العسكرية اللبنانية باعتبارها الجهة التي يفترض أن تحمل العبء التنفيذي على الأرض، فيما تتولى الولايات المتحدة دور المساندة والمتابعة والضغط السياسي والعسكري لضمان عدم انهيار المسار عند أول اختبار.

مصادر متابعة للملف ترى أن العلاقة بين "سنتكوم" والمؤسسة العسكرية اللبنانية شهدت في الفترة الأخيرة تحسناً واضحاً، وهذا التحسن لا يأتي في فراغ، إذ تزامن مع مسار سياسي وأمني أخذ يتقدم على أكثر من خط، ومع ارتفاع مستوى التواصل بين القيادة العسكرية اللبنانية والجانب الأميركي، إلى جانب استمرار البحث في آليات تنفيذ الملحق الأمني، ما يفتح الباب أمام مرحلة يصبح فيها الجيش في قلب ترتيبات إقليمية دقيقة، كَوْن نجاح التجربة في المناطق المحددة سيكون مؤشراً إلى قدرة الدولة اللبنانية على الانتقال من القرارات السياسية إلى التطبيق الميداني.

وفي حديث لموقع LebTalks، يقول العميد المتقاعد خليل الجميل إن العلاقة بين "سنتكوم" والجيش اللبناني أصبحت تنسيقية جداً، ويربط الجميل هذا التطور بزيارة رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى واشنطن، التي يرى أنها حملت رسالة حسن نية وساهمت في تحسين الأجواء، ويضيف أن الأمور تحسنت وأن الجيش اللبناني سيتولى الانتشار في هذه المناطق ضمن المسار المتفق عليه.

وبحسب قراءة الجميل، فإن الدعم الأميركي للجيش لا ينفصل عن المهمة الجديدة التي باتت أمام المؤسسة العسكرية، إذ يرى أن واشنطن سوف تدخل بثقلها العسكري والسياسي إلى الجنوب، وأنها مصممة على دفع الاتفاق نحو التنفيذ، فيما بدأت المساعدات تأخذ مساراً أكثر جدية، ويعتبر أن الاجتماع بين الرئيس اللبناني والرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي سيعقد اليوم سيفتح الباب أمام وصول مساعدات أميركية إضافية إلى الجيش بصورة سريعة، مع التأكيد على أن الرهان الأساسي يبقى مرتبطاً بمنع إيران من التدخل مجدداً بطريقة تعيد لبنان إلى دائرة المواجهة.

ويذهب الجميل أبعد من ذلك في قراءته للمشهد، إذ يقول إن إمكانيات الحزب باتت "ضئيلة جداً"، محذراً في الوقت نفسه من أن أي تحرك إيراني قد يعيد خلط الأوراق ويدفع لبنان إلى مواجهة جديدة، ويرى أن نجاح المرحلة المقبلة يحتاج إلى إبقاء القرار الأمني داخل المؤسسة العسكرية اللبنانية،بعيداً عن أي محاولة لإعادة استخدام الجنوب كساحة صراع إقليمي.

أما النقطة الأكثر حساسية في معلومات الجميل، فتتعلق بمصير المناطق التي سينتشر فيها الجيش، إذ يؤكد أن القرار المتخذ، وفق معلوماته، يقضي بمنع عودة الحزب إلى هذه المناطق، أو أي عناصر مسلحة، يبقى ترجمتها عملياً على الأرض، ما إذا كانت ستدخل ضمن ترتيبات أمنية طويلة الأمد.

وتأتي هذه المعطيات في وقت تظهر فيه قراءة أخرى للمناطق التجريبية، إذ أشارت تقارير إلى أن آلية التنفيذ تقوم على مراحل تبدأ بإخلاء المناطق من المجموعات المسلحة غير التابعة للدولة والبنية التحتية المرتبطة بها، ثم التحقق من إنجاز هذه المهمة بواسطة طرف ثالث متفق عليه، قبل انتقال الجيش اللبناني إلى تولي السيطرة العملياتية الكاملة، مع ربط نجاح الآلية بمدى إمكانية التحقق ميدانياً من تنفيذ إجراءات نزع السلاح وتفكيك البنية العسكرية، وهي صيغة تجعل دور الجيش محورياً في أي تقييم أميركي أو دولي للمرحلة المقبلة.

وتبرز هنا مفارقة أساسية، فالمهمة التي يتقدم إليها الجيش ليست مجرد انتشار تقليدي في قرى جنوبية، وإنما اختبار لمعادلة كاملة.. الجيش في الواجهة، الولايات المتحدة تراقب وتدعم، إسرائيل تنتظر نتائج ملموسة على الأرض، والحزب أمام واقع أمني جديد، فيما تبقى إيران، وفق قراءة الجميل عاملاً يمكن أن يغيّر مسار المشهد إذا قررت تحريك أدواتها في لبنان.

وبين هذه الحسابات، تبدو المؤسسة العسكرية أمام لحظة مفصلية، نجاحها سوف يفتح أمامها باباً واسعاً من الدعم الأميركي والدولي، ويعزز موقع الدولة في إدارة الجنوب، فيما أي انتكاسة قد تمنح خصومها حجة جديدة للتشكيك في قدرتها على تنفيذ المهمة، لذلك فإن المرحلة التجريبية، وفق المعطيات المتوافرة، ليست مجرد اختبار محدود في ثلاث بلدات، وإنما تجربة أولى لمسار أمني قد يعيد رسم قواعد اللعبة جنوباً، ويحدد إلى حد كبير شكل العلاقة المقبلة بين الجيش اللبناني، الولايات المتحدة، إسرائيل، والحزب.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: