تموت الدول عندما تصبح رهينة رجالها. أما الدول الكبرى، فتمتحن عظمتها يوم يرحل رجالها ولا تتغير سياساتها. لهذا، ليست المسألة في واشنطن أن يغيب سيناتور بحجم ليندسي غراهام، مهما كان حضوره داخل الكونغرس أو قربه من دوائر القرار، بل في أن تغيب المصالح التي صنعت دوره أصلاً. فالرجال، في الولايات المتحدة، يعبرون المؤسسات؛ أما المؤسسات فلا تعبر بالضرورة عبر الرجال.
وهذه هي النقطة التي يخطئ الشرق الأوسط في فهمها منذ عقود.
لقد اعتدنا في منطقتنا أن نقرأ السياسة من خلال الأشخاص. فإذا مات زعيم، توقعنا انهيار نظام. وإذا غادر مبعوث، توقعنا تبدل سياسة. وإذا خسر رئيس انتخابات، اعتقدنا أن التاريخ يبدأ من جديد. إنها ثقافة سياسية ولّدتها دول قامت على الشخص أكثر مما قامت على المؤسسة. أما الولايات المتحدة، فهي تكاد تكون النقيض الكامل لهذا النموذج.
كتب هانز مورغنثاو، الأب المؤسس للواقعية السياسية، أن السياسة الخارجية ليست امتدادًا للأخلاق، بل لإدراك الدولة مصالحها القومية. وبعده بسنوات، وضع جورج كينان، في برقيته الشهيرة من موسكو ثم في مقالته الموقعة باسم "إكس"، الأساس النظري لسياسة الاحتواء التي استمرت أربعة عقود، بينما تعاقب على البيت الأبيض اثنا عشر رئيساً. تغير الرؤساء، وبقيت الاستراتيجية. ثم جاء هنري كيسنجر ليضيف أن الدبلوماسية الناجحة لا تبحث عن المثاليات، بل عن توازن القوى. وبعد الحرب الباردة، تحدث صموئيل هنتنغتون عن إعادة تشكل الصراعات على أسس حضارية، فيما دعا جوزيف ناي إلى فهم القوة الناعمة بوصفها امتدادًا للقوة الصلبة لا بديلاً عنها. تبدلت المدارس الفكرية، لكن الدولة الأميركية كانت تستوعبها جميعاً داخل إطار واحد: حماية المصلحة الأميركية.
لهذا، فإن السؤال المطروح بعد غياب ليندسي غراهام ليس سؤالاً عن رجل، بل عن مدرسة كاملة داخل المؤسسة الأميركية.
كان غراهام امتداداً لتيار يؤمن بأن الولايات المتحدة لا تستطيع الانكفاء عن الشرق الأوسط، وأن أمن إسرائيل جزء من الأمن القومي الأميركي، وأن إيران تمثل التحدي الإقليمي الأكثر استدامة، وأن العقوبات الاقتصادية أداة استراتيجية لا تقل أهمية عن حاملات الطائرات. لكنه لم يخترع هذه الأفكار، ولم يحتكرها، ولم يحملها وحده.
ففي واشنطن، لا تُصاغ السياسة الخارجية في جلسة مغلقة بين رئيس ومستشار. إنها حصيلة تفاعل بين البيت الأبيض، ومجلس الأمن القومي، ووزارة الخارجية، والبنتاغون، ووزارة الخزانة، ووكالات الاستخبارات، والكونغرس، ومراكز التفكير، والجامعات، وجماعات الضغط، وحتى الصناعات الدفاعية. ما يسميه علماء السياسة Policy Networks ليس تعبيراً أكاديمياً، بل وصف دقيق للطريقة التي تُنتج بها القوة العظمى قراراتها.
ومن هنا أيضاً يُساء فهم دور اللوبيات. فـ"AIPAC"، كما غيرها من جماعات الضغط، لا تحكم الولايات المتحدة، لكنها تؤثر في البيئة التي يُصنع فيها القرار. وهي ليست وحدها. هناك لوبيات الطاقة، والدفاع، والتكنولوجيا، والمال، والنقابات، والمنظمات الدينية، وكلها تتنافس على التأثير في الكونغرس والإدارة. أما القرار النهائي، فيبقى نتاجاً لتوازن هذه الضغوط مع ما تعتبره الدولة مصلحة قومية عليا. ولذلك، فإن اختزال السياسة الأميركية بلوبي واحد لا يقل خطأ عن اختزالها في رجل واحد.
ولبنان يقدم المثال الأكثر بلاغة. فمنذ نهاية الحرب الأهلية، تبدلت الإدارات الأميركية مرات عديدة، وانتقلت السلطة بين الجمهوريين والديمقراطيين، ورحل مسؤولون كبار، من كيسنجر إلى بريجنسكي، ومن سكوكروفت إلى باول، ومن رامسفيلد إلى تشيني، ومن بولتون إلى بلينكن. ومع ذلك، بقيت المقاربة الأميركية للبنان تتحرك داخل الإطار نفسه: دعم الجيش اللبناني باعتباره ركيزة الدولة، استخدام العقوبات للضغط على الجهات التي تعتبرها واشنطن جزءاً من البنية المالية لحزب الله، السعي إلى احتواء احتمالات الحرب مع إسرائيل، وربط أي انخراط اقتصادي واسع بالإصلاحات وبقدرة الدولة اللبنانية على استعادة مؤسساتها.
حتى اتفاق ترسيم الحدود البحرية لم يكن انعطافة في العقيدة الأميركية، بل تطبيقاً لها. فالغاية لم تكن فقط حل نزاع حدودي، بل منع حرب جديدة، وتأمين استقرار شرق المتوسط، وإدخال عامل الطاقة في معادلة الردع، ضمن رؤية أوسع للأمن الأوروبي بعد الحرب في أوكرانيا.
ولهذا، فإن السؤال الذي يُطرح في بيروت بعد غياب ليندسي غراهام يكشف، في جانب منه، استمرار النظرة الشخصية إلى السياسة الدولية. فلبنان لا يتأثر برحيل سيناتور، بل بتغير موقعه داخل سلّم الأولويات الأميركية. وإذا لم تتبدل علاقة واشنطن بطهران، ولم تتغير مكانة إسرائيل في العقيدة الأمنية الأميركية، ولم يتراجع موقع شرق المتوسط في الحسابات الجيوسياسية، فلن تتغير السياسة الأميركية تجاه لبنان إلا في الهوامش.
لقد كتب كينان مرة أن نجاح السياسة الخارجية يقاس بقدرتها على الاستمرار أكثر مما يقاس بقدرتها على إثارة الإعجاب. وربما كانت هذه الجملة تختصر جوهر الدولة الأميركية. فالإمبراطوريات لا تُقاس بعدد الرجال الذين أنجبتهم، بل بقدرتها على البقاء بعد رحيلهم.
لهذا، فإن وفاة ليندسي غراهام، مهما كانت أهميتها السياسية، ليست لحظة لاختبار مستقبل واشنطن، بل لحظة لاختبار فهمنا لها.
فالسياسيون يملؤون الشاشات، أما الاستراتيجيات فتكتبها المؤسسات. والرجال يصنعون الأحداث، لكن الدول هي التي تصنع التاريخ.