شهدت أسعار قوارير الغاز في لبنان ارتفاعًا جديدًا خلال الأيام الأخيرة، الأمر الذي أثار قلق المواطنين في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها البلاد. ويأتي هذا الارتفاع في وقت تعاني فيه الأسر اللبنانية من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع أسعار معظم السلع الأساسية، ما جعل تأمين الاحتياجات اليومية أكثر صعوبة بالنسبة إلى شريحة واسعة من المجتمع.
ويُعد الغاز المنزلي من المواد الأساسية التي تعتمد عليها غالبية الأسر اللبنانية في الطهي وتسخين المياه، كما تستخدمه المطاعم والأفران والمؤسسات الصغيرة في أعمالها اليومية. لذلك، فإن أي زيادة في سعره تنعكس بشكل مباشر على ميزانيات الأسر وعلى تكاليف الإنتاج في العديد من القطاعات الاقتصادية.
وأقرت وزارة الطاقة والمياه رسماً إضافياً على قوارير الغاز المنزلية، ما أدى إلى زيادة تقارب 10% على سعر القارورة زنة 10 كيلوغرامات.
ولفهم أسباب هذا الارتفاع، يوضح الدكتور في العلوم الاقتصادية محمد حريص، أن الزيادة الحالية تعود إلى مجموعة من العوامل المتداخلة. وقال: "إن تداعيات الحرب الأخيرة في لبنان خلفت أعداداً كبيرة من قوارير الغاز المتضررة، سواء نتيجة القصف المباشر أو بقائها تحت ركام المباني المهدمة، ولا تزال عمليات إزالة الأنقاض تكشف المزيد منها. وتداعيات الحرب في المنطقة أثرت في حركة النقل البحري والتجاري، كما أدت إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين على البضائع المستوردة، ومن بينها الغاز. إضافة إلى ذلك، فإن تقلبات أسعار الطاقة عالميًا انعكست مباشرة على الأسعار في لبنان".
ويضيف حريص أن لبنان يعتمد بشكل كبير على الاستيراد لتأمين احتياجاته من المشتقات النفطية والغاز، ما يجعله أكثر تأثرًا بأي تغيرات إقليمية أو دولية، مشيراً إلى أن استمرار التوترات السياسية والأمنية يؤدي إلى زيادة الضغوط على الأسواق المحلية، الأمر الذي ينعكس على المستهلك النهائي.
وعن تأثير هذه الزيادة على المواطنين، أكد أن الأسر ذات الدخل المحدود ستكون الأكثر تضررًا، لأن جزءًا كبيرًا من دخلها يُنفق على الحاجات الأساسية. كما أن ارتفاع أسعار الغاز قد يدفع بعض المؤسسات الصغيرة إلى رفع أسعار منتجاتها وخدماتها لتعويض زيادة التكاليف، ما يؤدي إلى موجة جديدة من الغلاء.
وفي ما يتعلق بالحلول الممكنة، يدعو حريص الجهات المعنية إلى تعزيز الرقابة على الأسواق ومنع أي استغلال أو احتكار قد يؤدي إلى زيادات غير مبررة في الأسعار، مشدداً على أهمية وضع خطط طويلة الأمد لتطوير قطاع الطاقة وتشجيع الاستثمار في مصادر الطاقة البديلة، بما يخفف الاعتماد على الاستيراد ويحد من تأثير الأزمات الخارجية.
أما بالنسبة إلى البدائل المتاحة للمواطنين، فيوضح أن بعض الأسر بدأت تتجه إلى استخدام الطاقة الشمسية لتسخين المياه بهدف خفض استهلاك الغاز، في حين يلجأ آخرون إلى ترشيد الاستهلاك والحد من الهدر داخل المنازل. ورغم أن هذه الخيارات قد تساعد في تخفيف الأعباء، فإنها لا تُعد حلًا شاملًا للمشكلة، خاصة بالنسبة إلى العائلات التي تعاني أوضاعًا اقتصادية صعبة.
وفي ظل استمرار التحديات الاقتصادية، يبقى ارتفاع أسعار قوارير الغاز مصدر قلق كبير للمواطنين اللبنانيين، الذين يطالبون بإجراءات فعالة للحد من انعكاسات الأزمة على حياتهم اليومية. وبين الأسباب المرتبطة بالظروف الإقليمية والاقتصادية والحلول التي تحتاج إلى خطط بعيدة المدى، يبقى المواطن الحلقة الأكثر تأثرًا بارتفاع الأسعار وتراجع القدرة على تأمين متطلبات الحياة الأساسية.