في خضم مشهد إقليمي مشتعل من كل حدب وصوب، يبرز غياب واضح لدور تركيا. غياب لا يمكن تعويضه برفع السقف الخطابي أو تضخيم النبرة السياسية كما يجري حالياً.
ففي لحظة تُصاغ فيها توازنات المنطقة بالنار والدم، لا تبدو أنقرة شريكاً في صناعة القرار، ولا لاعباً مؤثراً في مسارات الحرب أو التهدئة. فهي لم تنجح في أن تكون وسيطاً فعلياً، ولا طرفاً حاضراً في أي تسوية جدية، أكان مع إيران أم مع لبنان، أم حتى في الملف الأكثر قدماً، غزة، حيث بقيت خارج أي تفاهم بين "حركة حماس" وإسرائيل. تتقدم باكستان اليوم على تركيا بأشواط، فيما تجلس أنقرة في المقاعد الخلفية تراقب بصمت ما يجري حولها.
أمام هذا الغياب، يتقدم الخطاب كبديل عن الفعل. تصريحات رجب طيب أردوغان، ومعه وزير خارجيته هاكان فيدان، تأتي في هذا السياق. فقد قال فيدان صراحة إن إسرائيل "تسعى لإعلان تركيا عدواً جديداً"، وإنها "لا تستطيع العيش من دون عدو بعد إيران"، مضيفاً أن القيادة الإسرائيلية تحمل "عقدة" تجاه أردوغان.
لكن هذه اللغة، مهما ارتفعت، لا تغيّر من الوقائع شيئاً. فهي لا تعكس دوراً فعلياً بقدر ما تكشف محاولة لصناعته. الحديث عن "عدو جديد" أو "مؤامرة" يستهدف، في جوهره، الداخل التركي، ويعيد إنتاج سردية أن تركيا مستهدفة ليستهلكها الجمهور. غير أن الوقائع تقول عكس ذلك. فتركيا ليست في موقع الاشتباك، بل في موقع المراقبة. ليست على طاولة التفاوض، ولا ضمن هندسة الحلول، ولا حتى ضمن القوى التي تُستشار عند رسم ملامح المرحلة المقبلة.
بل إن هذا الخطاب التصعيدي يبدو أقرب إلى محاولة تبرير موقف متراجع، خصوصاً في ما يتعلّق بعدم تقديم أي دور حقيقي في دعم من تُسميهم أنقرة "المسلمين" في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل.
والمفارقة الأوضح تكمن بأن تركيا التي تتحدث عن عداوة متصاعدة، لا تزال شريكاً استراتيجياً لواشنطن، وتحتفظ بعلاقات متينة مع دونالد ترامب، فضلاً عن نفوذها المباشر والقوي في الساحة السورية. أي أنها لم تغادر شبكة التحالفات الغربية، ولم تنخرط فعلياً في محور المواجهة، بل اختارت موقعاً رمادياً مريحاً عبارة عن خطاب مرتفع، ودور منخفض.
يمكن للخطابات التركية أن ترتفع قدر ما تشاء، لكن الواقع يفيد بأن تركيا ليست مستهدفة كما تدعي، بل دورها مهمش كما تُثبت الوقائع.