كتب جيمي ديب:
لم يكن انهيار الليرة اللبنانية بعد العام 2019 مجرّد أزمة نقدية، بل أصاب بشكل مباشر تعويضات نهاية الخدمة التي ادّخرها آلاف المضمونين على مدى سنوات عملهم. فبعدما كانت هذه التعويضات تشكّل شبكة أمان عند انتهاء الخدمة، تراجعت قيمتها الشرائية بشكل كبير مع انهيار سعر الصرف، ما فتح الباب أمام تساؤلات واسعة حول إمكان تعويض الخسائر واستعادة جزء من الحقوق.
وفي حديثٍ لـLebTalks، أوضح عضو مجلس إدارة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي مارون سيقلي أن انهيار الليرة أثّر مباشرة على فرع تعويض نهاية الخدمة، لأن النظام كان قائماً على اقتطاعات وأجور مقوّمة بالليرة اللبنانية. ومع انهيار سعر الصرف، فقدت التعويضات المدفوعة بالليرة جزءاً كبيراً من قدرتها الشرائية، ولا سيما بالنسبة إلى الذين انتهت خدمتهم في السنوات الأولى من الأزمة. وأشار إلى أنه بعد تعديل استيفاء الاشتراكات على سعر الصرف الرسمي الجديد، أصبح صندوق نهاية الخدمة أكثر أماناً.
وفي ما يتعلق بإمكانية إعادة القيمة الفعلية للتعويضات، شدّد سيقلي على أن الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي لا يستطيع القيام بذلك بمفرده، موضحاً أنه يحتاج إلى المستحقات المتوجبة له على الدولة منذ سنوات للمساعدة في إعادة تكوين الخسائر الناتجة عن انهيار العملة. وأضاف أن التعويضات التي تُحتسب وفق قانون الضمان تتطلب تمويلاً ضخماً لا يمكن للصندوق تأمينه وحده، بل يحتاج إلى مصادر تمويل من الدولة أو أصحاب العمل، أو إلى توزيع الكلفة بين الأطراف الثلاثة.
وعن الإجراءات التي يعمل عليها الصندوق، كشف سيقلي أنه خلال عامَي 2025 و2026 صدرت عدة مذكرات رفعت السقوف الخاضعة للاشتراكات وأدخلت تعديلات على بعض آليات احتساب تعويض نهاية الخدمة في حالات معينة، ما يحسّن التعويضات المستقبلية مقارنة بالسابق، لكنه لا يعوّض تلقائياً خسائر السنوات الماضية.
أضاف أن النقاش لا يزال جارياً حول مشاريع قوانين لمعالجة أوضاع الأشخاص الذين تقاعدوا أو تركوا العمل بين عامَي 2019 و2024، باعتبارهم الفئة الأكثر تضرراً من الأزمة. ومن بين الأفكار المطروحة إعادة احتساب جزء من التعويض أو منح تعويض إضافي وفق معايير محددة، بالتوازي مع البحث في كيفية تمويل هذه الكلفة.
أما بالنسبة إلى المضمونين الذين لا يزالون في الخدمة، فأوضح أن وضعهم يختلف عن الذين قبضوا تعويضاتهم، إذ تُحتسب اشتراكاتهم اليوم على أجور وسقوف أعلى من تلك التي كانت معتمدة في بداية الأزمة، ما يجعل السنوات الجديدة تُسجّل بقيم أفضل. لكنه لفت إلى أن السنوات السابقة، حين كانت الأجور مصرحاً عنها بالليرة المنهارة، تبقى مشكلة قائمة ما لم يصدر قانون يعيد تقييمها أو يعالجها بطريقة خاصة.
وفي سياق الإصلاحات، أشار سيقلي إلى أن لبنان أقرّ العام 2023 القانون رقم 319 الذي ينشئ نظام التقاعد والحماية الاجتماعية للعاملين في القطاع الخاص، بديلاً من نظام تعويض نهاية الخدمة الذي يُدفع دفعة واحدة. إلا أن تطبيق هذا النظام لا يزال ينتظر صدور المراسيم التنفيذية واستكمال البنية الإدارية والمالية اللازمة.
وأوضح أن أبرز ما سيغيّره النظام الجديد هو الانتقال تدريجياً من الحصول على مبلغ واحد عند انتهاء الخدمة إلى راتب تقاعدي شهري، بما يؤمّن دخلاً مستمراً للمتقاعد بدلاً من تعويض قد ينفد خلال فترة قصيرة. كما يشمل النظام منافع دورية في حالات العجز والوفاة للورثة وفق شروط القانون، ويعتمد آليات لتعديل قيمة المعاشات بما يراعي التضخم بصورة دورية، وهو ما لم يكن متوافراً في نظام تعويض نهاية الخدمة التقليدي.