منذ لحظة الإعلان، لم يكن الكلام عابراً ولا مجرّد تصعيد إعلامي. حين يتحدّث قيادي عسكري في حزب الله عن العودة إلى "تكتيكات الثمانينيات" وتفعيل مجموعات "الاستشهاديين" بإطار مواجهة الجيش الإسرائيلي في الجنوب، فهو يستحضر واحدة من أكثر مراحل الصراع دموية وتعقيداً في تاريخ لبنان والمنطقة.
لكن السؤال الجوهري ليس في ما قيل، بل في ما يعنيه هذا التهديد اليوم: هل نحن أمام تحوّل استراتيجي حقيقي، أم مجرّد رسالة ضغط في لحظة إقليمية خانقة؟
بين الأمس واليوم، تغيّرت كل المعادلات: سقطت بيئات حاضنة، تبدّلت خرائط النفوذ، وتراجعت قدرات كانت في زمن مضى تصنع الفارق.
فهل يملك حزب الله فعلاً شروط إعادة إنتاج نموذج الثمانينيات؟ أم أنّ استحضار "العمليات الانتحارية" ليس إلا انعكاساً لأزمة أعمق يعيشها "الحزب" في الداخل والخارج؟
في السياق، أشار العميد المتقاعد طوني أبي سمرا في حديث خاص لموقع LebTalks إلى أن "الثورة الإسلامية الإيرانية انطلقت في الثمانينيات، وبرز منذ بدايتها التفكير في كيفية تصديرها إلى الخارج كي لا تبقى محصورة داخل إيران".
تابع: "الثورة كانت تحمل رسالة موجّهة إلى العالم الإسلامي عموماً، وإلى الشيعة على وجه الخصوص، انطلاقاً من اعتبار أن آية الله يمثّل المهدي على الأرض".
وقال أبي سمرا: "كان شيعة جبل عامل الفئة الأبرز التي نجحت في التعاون المباشر مع الإيرانيين لتصدير الثورة وإضفاء بُعد ديني عليها"، لافتاً إلى أن "في تلك المرحلة، كان صدام حسين يسعى إلى احتواء الثورة عند الحدود العراقية – الإيرانية، كما أن الدول العربية السنية كانت بمعظمها تعارض نجاح هذه الثورة وتدعم صدام حسين".
أضاف أن "في المقابل، سوريا كانت منذ البداية على تناغم مع إيران، ولا سيّما قبل اجتياح الكويت" مشيراً إلى أن "نظام الأسد أبدى تأييداً للثورة الإيرانية، من دون "كسر الجرّة" مع الطائفة السنية".
وقال: "في لبنان، كان تراجع السلطة السنية مرتبطاً بصعود نفوذ ياسر عرفات. ومع خروجه من لبنان، نشأ فراغ سياسي تزامن مع سعي الثورة الإيرانية إلى التوسع خارج حدودها".
وأكّد أبي سمرا أن "الحرب في لبنان كانت قائمة آنذاك على الانقسام بين المنطقتَين الشرقية والغربية"، موضحاً أن "الظروف الإقليمية، إلى جانب دور منظمة التحرير والحرب اللبنانية، أسهمت أيضاً في خلق فراغ استراتيجي أتاح لإيران فرصة ملئه".
وتطرق إلى الوضع الحالي مشدّداً على أن "اليوم، وبالمقارنة مع الثمانينيات، فقد تبدّل المشهد كلياً. لم تعد سوريا تمتلك عمقاً استراتيجياً كما في السابق، كما تواجه إيران أوضاعاً صعبة نتيجة الحصار الأميركي والتحديات العسكرية. لذلك، باتت عاجزة عن دعم مشروعها الثوري في لبنان، الذي يمرّ بدوره في مرحلة ضعف واضحة".
وتابع بالقول: "انحسر تأثير الثورة الإسلامية، التي سعت إلى التمدد في العالمَين الشيعي والسني، ليقتصر إلى حد كبير على سوريا، وبشكل محدود في العراق، فيما يحتفظ اليمن بحساباته الخاصة. وفي لبنان، لم يتبقَّ من هذا المشروع سوى ما تمثّله قوّة حزب الله وحركة أمل".
واعتبر أبي سمرا أن "اليوم، حزب الله متروك من دون هدف استراتيجي واضح. فقد تغيّر النظام في سوريا، وتسعى إيران إلى الخروج من أزماتها، بينما حماس دُمّرت، وتواجه اليمن تحديات متقلبة".
أمّا في ما يتعلق بإسرائيل، فرأى أبي سمرا أنها "غيّرت استراتيجيتها. ففي الثمانينيات، كان الجيش الإسرائيلي منتشراً من الحدود وصولاً إلى بيروت، مع أهداف ميدانية مفتوح".
كما أشار إلى أن "إسرائيل كن لديها مواقع ثابتة ودوريات وكمائن تعرّضت للاستهداف، إلى أن تراجع وجودها إلى الشريط الحدودي".
ولكن أوضح أن "اليوم، تقلّصت هذه الأهداف، لا سيّما الاستراتيجية منها. كما تغيّرت ظروف المنطقة، وكذلك وضع حزب الله داخلياً".
فلفت أبي سمرا إلى أن "في الثمانينيات، وُجد نوع من "الشرعية" في بيروت الغربية والبقاع والجنوب والجبل لأعمال المقاومة ضد إسرائيل. أما اليوم، فلبنان منقسم بوضوح".
تابع: "فالمسيحيون والسنة والدروز لا يؤيّدون هذا النهج، فيما يشهد الشارع الشيعي انقساماً وتردّداً. ولم يعُد واضحاً ما إذا كانت البيئة الحاضنة قادرة على إنتاج نماذج قتالية كالعمليات الانتحارية. ويُقال في المثل اللبناني: من يريد القتال، يفعل أكثر ممّا يتكلم".
وقال أبي سمرا إن "اليوم، يبدو أن حزب الله يرفع سقف خطابه للتأثير على الدولة اللبنانية أكثر ممّا يستهدف إسرائيل مباشرة"، موضحاً أن "إسرائيل تعتمد سياسة التدمير الواسع بأرض محروقة في الجنوب خلف الخط الأصفر".
وقال: "عدم وجود حزب الله في تلك المناطق لم يعد يتيح له تنفيذ عمليات نوعية، سواء انتحارية أو غيرها. ومن هنا، تبدو رسالة حزب الله موجّهة إلى الدولة اللبنانية بهدف الضغط والتأثير وإحراجها في مسار المفاوضات مع إسرائيل".
كما رأى أن "حزب الله يقول للدولة بهذه الطريقة إنه قادر على تنفيذ أعمال إرهابية، لأنّ إسرائيل حارمة حزب الله في الجنوب من هذا الهدف بسبب الأرض المحروقة. لذلك، لا يمكن استبعاد احتمال استهداف مواقع داخل لبنان كبديل، بما فيها مصالح أميركية، لإظهار عجز الدولة عن ضبط الأمن".
أضاف أبي سمرا: "قد تشمل هذه السيناريوهات اغتيال شخصيات سياسية. ومن الممكن أن يرتبط ذلك بما أشارت إليه تقارير استخباراتية إسرائيلية حول تهديد محتمل لحياة رئيس الجمهورية جوزاف عون. ومع ذلك، فإن استهداف رئيس الجمهورية ليس أمراً سهلاً، إذ يتطلب اختراقاً أمنياً معقداً وجهداً استخباراتياً عالي المستوى".
وركّز أبي سمرا في حديثه على موقف حزب الله من خلال إعلانه عن العودة على تكتيك "الاستشهاديين"، بالقول: "في الحروب، غالباً ما يلجأ الطرف الأضعف إلى تكتيكات الاغتيال. غير أن أي عمل يستهدف الدولة أو رموزها سيضع منفّذه مباشرة في موقع الاتهام بالإرهاب".
ولفت أبي سمرا هنا إلى أن "على سبيل المثال، لم تُثبت حتى اليوم مسؤولية حزب الله بشكل قاطع في اغتيال رفيق الحريري أو جبران تويني أو انفجار المرفأ... إلا أن تهديدات الحزب اليوم ستجعل الأنظار تتجه نحوه تلقائياً".
واعتبر أن "مع ذلك، لن يكون الحزب قادراً على تحمّل تبعات أي عمل إرهابي أمام بيئته، لأنه أصبح مكشوفاً أكثر في ظل الظروف الراهنة. لذلك، يُرجّح أن يكون التلويح بالعودة إلى العمليات الانتحارية مجرّد وسيلة ضغط وتهويل".
فأكّد أبي سمرا أن "من يلجأ إلى هذه الأساليب يدرك أنّه لا يستطيع حسم الحرب من خلالها. بل تُستخدم هذه التكتيكات لاستنزاف الخصم، وحتى بهذه الحالة لإضعاف صورة الدولة نفسها".
في المحصّلة، لا يبدو أن استحضار "تكتيكات الثمانينيات" يعكس قوّة بقدر ما يكشف عن مأزق. فالحزب الذي بنى شرعيته على مقاومة إسرائيل، يجد نفسه اليوم أمام واقع مختلف: بيئة منقسمة وتوازنات إقليمية لم تعد تخدمه كما في السابق.
التلويح بالعمليات الانتحارية ليس عودة إلى زمن "الانتصارات"، بل انزلاق خطير نحو منطق يهدّد ما تبقّى من استقرار داخلي ويضع لبنان مجدداً في دائرة الشبهات والعزلة. والأخطر أن هذا الخطاب لا يوجَّه إلى إسرائيل بقدر ما يُستخدم للضغط على الداخل، وكأن اللبنانيين هم الحلقة الأضعف التي يُراد كسرها.
وهنا تكمن الإشكالية الحقيقية: حين يتحوّل السلاح من أداة مواجهة إلى وسيلة ابتزاز سياسي، يسقط أي ادّعاء بالمقاومة، ويصبح المشروع برمّته عبئاً على الدولة لا درعاً لها.