في خطوة غير مسبوقة في تاريخ الديبلوماسية اللبنانية، أقدم وزير الخارجية يوسف رجي على قرار طرد السفير الإيراني، في إجراء يحمل أبعاداً سيادية عميقة، ويشكّل محطة مفصلية في مسار استعادة الدولة اللبنانية لقرارها المستقل.
من الناحية القانونية، لا يخرج هذا القرار عن إطار الأعراف الدولية، بل يأتي منسجماً مع اتفاقية فيينا للعلاقات الديبلوماسية التي تتيح للدول حق إعلان أي ديبلوماسي "شخصاً غير مرغوب فيه من دون الحاجة إلى تبرير مفصل. وعليه، فإن ما قام به رجي هو ممارسة صريحة لحق سيادي مكفول، يعكس إرادة رسمية في فرض احترام القوانين والأصول الديبلوماسية داخل الأراضي اللبنانية.
لكن أهمية هذه الخطوة لا تقتصر على بعدها القانوني، بل تتعداه إلى دلالاتها السياسية. فهي المرة الأولى التي يُقدم فيها وزير خارجية لبناني على اتخاذ قرار بهذا المستوى من الحزم تجاه ممثل ديبلوماسي لدولة ذات نفوذ واسع في الداخل اللبناني. وهو ما يطرح تساؤلات مشروعة: هل نحن أمام تحوّل فعلي في مقاربة الدولة لعلاقاتها الخارجية؟ وهل بدأت ملامح سياسة خارجية أكثر استقلالية بالظهور؟
لقد اعتاد اللبنانيون، لسنوات طويلة، على مشهد التردد والازدواجية في إدارة الملفات السيادية، حيث كانت القرارات غالباً ما تُقيّد بتوازنات داخلية وخارجية معقّدة. إلا أن خطوة رجي تبدو ككسر لهذا النمط، ورسالة واضحة مفادها أن الدولة قادرة، حين تتوافر الإرادة، على اتخاذ قرارات جريئة تحمي مصالحها وتؤكد سيادتها.
كما أن هذا القرار يعكس تحوّلاً في مفهوم السيادة نفسه، من كونه شعاراً يُرفع في الخطابات، إلى ممارسة فعلية تُترجم بإجراءات ملموسة. فاستعادة القرار الوطني لا تبدأ بالشعارات، بل بخطوات عملية تعيد للدولة هيبتها وتفرض احترامها على الساحة الدولية.
ولا يمكن إغفال أن هذه الخطوة تأتي في توقيت دقيق، حيث يمر لبنان بأزمات متراكمة على المستويات الاقتصادية والسياسية والأمنية. وفي خضم هذا الواقع، يشكّل أي فعل سيادي حقيقي بارقة أمل بإمكانية الخروج من حالة الارتهان التي طالما أثقلت كاهل الدولة.
إن الإشادة بقرار وزير الخارجية لا تعني تجاهل التحديات التي قد تترتب عليه، سواء على مستوى العلاقات الدولية أو التوازنات الداخلية. لكنها، في الوقت نفسه، تفتح الباب أمام نقاش أوسع حول ضرورة إعادة صياغة السياسة الخارجية اللبنانية على أسس واضحة، احترام السيادة، الالتزام بالقانون الدولي، وتغليب المصلحة الوطنية على أي اعتبارات أخرى.
ويمكن القول إن ما قام به رجي ليس مجرد قرار ديبلوماسي عابر، بل خطوة تأسيسية في مسار طويل نحو استعادة لبنان لدوره كدولة كاملة السيادة. وقد تكون هذه الخطوة بداية مسار جديد، إذا ما ترافقت مع إرادة سياسية شاملة تستكمل هذا النهج وتحوّله إلى سياسة ثابتة لا استثناء فيها.
لبنان، الذي لطالما عانى من تداخل النفوذ وتضارب الولاءات، يقف اليوم أمام فرصة نادرة، أن يستعيد قراره، وأن يثبت أن السيادة ليست حلماً مؤجلاً، بل خياراً قابلاً للتحقق.