ينطلق الصحافي والكاتب السياسي علي حمادة في مقاربته، كما عرضها لموقع LebTalks، من قراءة حاسمة لمسار الصراع، حيث يوضح أن إسرائيل ماضية في خيار لا يقبل المواربة، يقوم على إنهاء قدرات حزب الله وفك الارتباط العضوي بينه وبين النفوذ الإيراني.
ويستعيد ما أعلنه رئيس أركان الجيش الإسرائيلي اليوم عن واقع بات فيه الحزب معزولاً داخل لبنان، ومقطوعاً عن شبكات تمويله وإمداده، في إشارة تُقرأ في ضوء الضربات التي طالت أهدافاً في بيروت في الأيام الأخيرة، والتي تعكس توجهاً تصاعدياً لن يتوقف عند حدود الكلفة البشرية مهما بلغت.
ويمضي حمادة أبعد من توصيف اللحظة، رابطاً بين ما يحصل ميدانياً وبين الأفق السياسي المفتوح، حيث يرى أن إسرائيل لا تخوض هذه الحرب لتعود إلى نقطة الصفر أو لتمنح طهران فرصة إعادة تثبيت نفوذها انطلاقاً من الساحة اللبنانية، ولا لتسمح بإحياء دور لبنان كمنصة لإدارة الاشتباك الإقليمي.
من هنا فإن أي حديث عن وقف لإطلاق النار، في ظل هذه المعادلة، يفقد معناه الفعلي إذا أتاح لإيران إعادة تنظيم أدواتها أو استعادة زخمها عبر قنوات الدعم، حتى في ظل ما يُحكى عن ضغوط أميركية أو احتمالات مفاوضات مباشرة تلوح في الأفق بين لبنان وإسرائيل خلال الاسبوع القادم.
ضمن هذا الإطار، يبرز الهدف كما يقدمه حمادة واضح المعالم، تفكيك البنية العسكرية والسياسية للحزب وإضعاف امتدادات إيران في المنطقة، بما يجعل أي هدنة في هذه المرحلة مكسبًا صافيًا لطهران وهو أمر غير قابل للتسليم به إسرائيلياً.
وعلى هذا الأساس، يحمل حمادة الحزب مسؤولية إدخال لبنان في مسار بالغ الخطورة خدمة لحسابات إيرانية، معتبراً أن الأخيرة قد لا تتردد في مقايضته ضمن مسارات التفاوض إذا اقتضت مصالحها ذلك.
في مقلب موازٍ، يقدم النائب السابق مصطفى علوش قراءة لموقعنا أكثر حدة لطبيعة العلاقة بين الحزب وإيران، حيث يؤكد أن الطرفين يتحركان ضمن بنية واحدة لا تقبل الفصل، بحيث يصبح قرار المواجهة أو التهدئة خاضعاً لمعيار المصلحة الإيرانية أولًا. ويذهب إلى حد القول إن الحزب، في حال طُلب منه التخلي عن كامل بنيته، لن يتردد في الامتثال باعتبار أن نشأته ووظيفته ارتبطتا أساساً بهذا الدور.
وتتعمق هذه المقاربة بحسب علوش مع استحضار ما وصفه المسؤول الإيراني علي أكبر ولايتي للبنان خلال زيارته الأخيرة بأنه "خندق"، في توصيف يختصر طبيعة الاستخدام الاستراتيجي للساحة اللبنانية.
هنا يلفت علوش إلى أن منطق الخندق يعني أن الأولوية تبقى لحماية المركز في طهران، حتى لو تعرضت الأطراف للاهتزاز، الذي يفسر سلوك الحزب في محطات مفصلية سابقة.
وفي قراءة للسوابق، يستعيد علوش مشهد حرب تموز 2006، حيث لم تنخرط إيران عسكرياً بشكل مباشر رغم حجم المواجهة، وكذلك الأمر في سياق حرب إسناد غزة، ما يعزز لديه قناعة بأن طهران تتحرك وفق حسابات دقيقة وهو ما يرجح تكراره في المرحلة الراهنة.
تتداخل هذه المعطيات مع مؤشرات تحولات أوسع في الإقليم، بدأت ملامحها بالظهور تدريجياً غير أن الثابت، وفق علوش، يبقى في موقع الدولة اللبنانية التي تجد نفسها أمام اختبار مفصلي يتصل بقدرتها على استعادة مواطنيها، بمن فيهم بيئة الحزب وإقناعهم بأن الخيار الوحيد القابل للحياة يمر عبر مؤسسات الدولة، لا عبر رهانات القوة التي أثبتت التجربة هشاشتها، خصوصاً لدى من لا يزالون أسرى صورة الحزب كأسطورة لا تُمس.