رغم التحولات الجذرية التي شهدتها سوريا خلال المرحلة الأخيرة، لا يزال ملف تهريب السلاح إلى لبنان يثير الكثير من التساؤلات، خصوصاً في ما يتعلق بمصادر تسلّح حزب الله بعد تراجع نفوذه داخل الأراضي السورية.
وبين الحديث عن ضعف الإمكانات الأمنية للسلطات السورية الجديدة واستمرار نشاط شبكات التهريب، تتباين التقديرات بشأن حجم القدرات التي لا يزال الحزب يمتلكها وإمكانية إعادة ترميمها، يفتح LebTalks هذا الملف مع النائب السابق وهبه قاطيشا والخبير في الأمن القومي والدراسات الاستراتيجية العميد المتقاعد يعرب صخر.
وأشار النائب السابق وهبه قاطيشا، في حديث لـLebTalks، إلى أن جزءاً من المشكلة يعود إلى الفوضى التي رافقت سقوط النظام السوري السابق، موضحاً أن كميات كبيرة من الأسلحة تُركت وانتشرت في مناطق مختلفة، ما جعلها عرضة للنهب والاتجار غير المشروع.
أضاف أن القيادة السورية الجديدة تبدي نوايا واضحة لضبط الحدود والتضييق على عمليات التهريب، إلا أن هذه المهمة لا تزال تواجه تحديات كبيرة نتيجة محدودية الإمكانات العسكرية والأمنية المتوافرة حالياً. وقال إن الرئيس السوري أحمد الشرع أعلن أكثر من مرة عزمه على ضبط الحدود مع لبنان والتشدد حيال أي نشاط غير شرعي، إلا أن بناء جيش نظامي قادر على فرض سيطرة كاملة على الحدود يحتاج إلى وقت وإمكانات أكبر.
واعتبر قاطيشا أن عدم إحكام السيطرة على الحدود لا يعود إلى غياب الإرادة السياسية، بل إلى ضعف القدرات اللوجستية والعسكرية، فضلاً عن انتشار الأسلحة التي كانت بحوزة النظام السابق وأصبحت متاحة في السوق السوداء، ما يسهّل عمليات التهريب ويجعل حصول جهات مختلفة على أسلحة نوعية أمراً ممكناً.
وأشار إلى أن الواقع الحالي يختلف عن المرحلة السابقة، إذ لم تعد الدولة السورية تمتلك المستوى نفسه من السيطرة المركزية الذي كان قائماً في عهد النظام السابق، ما يفتح المجال أمام شبكات التهريب وتجارة السلاح للاستفادة من الثغرات الأمنية القائمة.
وختم بالتشديد على أن الرؤية المستقبلية لضبط الحدود تتطلب تعزيز قدرات الأجهزة الأمنية والعسكرية في كل من لبنان وسوريا، إلى جانب تطوير مستوى التنسيق والتعاون بين الدولتين، معتبراً أن وجود مؤسسات أمنية قوية على جانبي الحدود يشكّل الركيزة الأساسية للحد من التهريب وضبط المعابر غير الشرعية.
من جهته، أشار العميد الركن المتقاعد في الجيش اللبناني والخبير في الأمن القومي والدراسات الاستراتيجية يعرب صخر، عبر LebTalks، إلى أن مسألة تسلّح حزب الله تأثرت بشكل كبير بعد انقطاع خط الإمداد القادم من سوريا، ولا سيما عقب التحولات التي شهدتها الساحة السورية، حيث تبدّل المشهد من بيئة موالية للحزب إلى بيئة أكثر مناهضة له، ما أدى إلى قطع جزء أساسي من الدعم الذي كان يتلقاه.
وأوضح أن الحرب التي امتدت بين عامي 2023 و2024 أدت إلى تدمير ما يقارب 70 في المئة أو أكثر من قدرات الحزب على المستويات القيادية والبنيوية والتنظيمية والبشرية والمادية. إلا أن الفترة الممتدة بين اتفاق وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني 2024 وحتى 2 آذار، والتي قاربت خمسة عشر شهراً، أتاحت للحزب فرصة لاستعادة جزء من قدراته، وإن لم يتمكن من استعادتها بالكامل.
وأشار إلى أن خط الإمداد الرئيسي الممتد من طهران مروراً ببغداد ودمشق وصولاً إلى بيروت كان يشكّل الشريان الأساسي للدعم اللوجستي، وأن انقطاعه ترك أثراً مباشراً على قدرات الحزب التسليحية. ومع ذلك، لفت إلى أن الحزب لا يزال يمتلك قدرات تصنيعية محدودة في ما يتعلق بالطائرات المسيّرة والصواريخ القصيرة المدى، من أنواع شبيهة بـ"الكاتيوشا" و"الغراد".
أضاف أن هناك مصادر أخرى للتسلّح تتمثل بوجود خلايا ومجموعات مرتبطة بالحزب داخل سوريا، تمتلك مخازن ومستودعات أسلحة كانت قد أُنشئت في مراحل سابقة. وبحسب صخر، فإن بعض هذه المجموعات يسهم في نقل كميات محدودة من الأسلحة إلى الحزب، إلا أن الإدارة السورية الجديدة تعمل تدريجياً على السيطرة على هذه المخازن والمستودعات، واكتشاف الأنفاق، وتوقيف مجموعات متورطة في عمليات نقل السلاح.
كما أشار إلى مصدر ثالث يتمثل في شراء الأسلحة عبر شبكات مختلفة، مستفيداً من الإغراءات المالية لتأمين بعض الاحتياجات العسكرية من جهات متباينة الولاءات.
وختم بالقول إن مصادر التسلّح الحالية لا تتجاوز 20 في المئة مما كانت عليه في السابق، مؤكداً أن مستوى التمويل يبقى عاملاً حاسماً في هذا المجال، إذ إن تراجع الموارد المالية ينعكس مباشرة على القدرة على شراء السلاح أو إنتاجه.
أضاف أن الحزب لا يزال يحتفظ بخلايا صغيرة ومجموعات متفرقة، إضافة إلى بعض القدرات التصنيعية المحدودة، إلا أن قدرته على إعادة بناء ترسانته السابقة باتت أكثر تعقيداً في ظل المتغيرات الإقليمية القائمة.
وبين التحديات التي تواجه السلطات السورية في ضبط حدودها، والتحولات التي طالت خطوط الإمداد التقليدية لحزب الله، يبدو أن مشهد التسلّح في المنطقة دخل مرحلة جديدة تحكمها معادلات مختلفة. وفي ظل استمرار المتغيرات الإقليمية، تبقى فعالية التنسيق الأمني بين الدول، إلى جانب قدرة المؤسسات الرسمية على بسط سيطرتها، عاملاً أساسياً في رسم ملامح المرحلة المقبلة.