اندفعت مجموعات محسوبة على "حزب الله" إلى الشارع في أكثر من نقطة داخل العاصمة، في مشهد بدا كأنه رسائل متعددة الاتجاهات تتقاطع عند رئاسة الحكومة برئاسة نواف سلام، حيث تصاعدت الهتافات والشتائم والاتهامات إلى مستويات غير مسبوقة، ولم يقتصر التصعيد على الأرض إذ تمدد سريعاً إلى الفضاء الإلكتروني، الذي يعكس حالة تعبئة منظمة لا يمكن عزلها عن السياق السياسي العام، ولا عن المسار الرسمي الآخذ بالتبلور نحو فصل الملف اللبناني عن المسار الإيراني، في ضوء المفاوضات المرتقبة في واشنطن الثلثاء المقبل.
ضمن هذا المشهد، يضع الكاتب والمحلل السياسي أحمد الأيوبي ما جرى في إطار قرار واضح لدى بيئة الحزب بالذهاب نحو إسقاط الحكومة، بعد تصنيفها له كجهة غير شرعية ومحظورة، مع ترجيحه أن لحظة الانقضاض الفعلية لم تنضج بعد، إذ ترتبط بتوقيت استقالة وزراء الثنائي، عندها فقط تتحول الخطوة إلى مسار انقلابي مكتمل الأركان، يتجاوز في دلالاته حدود التفاوض اللبناني الإسرائيلي ليطال جوهر القرار السيادي الذي تجلى بطلب الحكومة من الجيش تثبيت الأمن في بيروت بوصفها مدينة منزوعة السلاح.
في المقابل، يلفت الأيوبي في حديث لـLebTalks إلى أن ما جرى من فوضى ميدانية يكشف خللاً واضحاً في الإمساك الأمني، حيث بدت القوى المعنية كأنها تراقب من بعيد، فيما تُطلق مجموعات منظمة شعارات ذات طابع فتني وتدفع بها إلى الواجهة، في مشهد يشي برسائل مبطنة إلى الشارع المقابل وكأن الدعوة مفتوحة لمواجهة مفتوحة الأمر الذي يرفع منسوب القلق إلى مستويات غير مسبوقة.
التوتر لم يبقَ محصورًا في بيروت بحسب الايوبي، إذ بدأ يتمدد إلى طرابلس حيث يأخذ طابعًا مذهبيًا أكثر حدة، مع ترداد شعارات "شيعة شيعة" في مواجهة البيئة السنية، مترافقاً مع حملات تخوين تطال رئيس الحكومة وتعدِ مباشر على رمزيته، الذي يضع الشارع السني أمام حالة استفزاز عالية الخطورة تنذر بردود فعل قد تخرج عن السيطرة إذا استمر المسار على هذا النحو.
ويحذر الأيوبي من انزلاق الأمور نحو سيناريوهات أكثر تعقيداً، قد تتخذ أشكالاً مختلفة، من بينها توتر داخل المناطق السنية تجاه ملف النازحين، مع احتمال تصاعد أصوات متشددة تدعو إلى إخراجهم من مناطق معينة، خصوصاً في طرابلس في ظل احتقان متراكم يبحث عن منفذ، ما يطرح تساؤلاً جوهرياً حول الهدف من دفع البلاد إلى هذا المنحدر.
ويكشف الأيوبي عن معطيات تشير إلى أن أحد الأهداف كان السيطرة على المطار ومنع توجه أي وفد إلى واشنطن، في محاولة لفرض إدارة تفاوضية بديلة يقودها الحزب عبر رئيس مجلس النواب نبيه بري بدلاً من رئيس الحكومة، بما يعيد إنتاج نموذج التفاوض البحري السابق بكل ما حمله من التباسات ونتائج ملتبسة حيث يتقدم البعد الرمزي على المصلحة الوطنية.
خلاصة المشهد كما يقدمها الأيوبي تضع الدولة أمام اختبار حاسم، إما المبادرة إلى ضبط الإيقاع وفرض هيبتها أو ترك الساحة تنزلق تدريجياً نحو واقع الأمن الذاتي بكل ما يحمله من مخاطر تفكك وانفلات.
في موازاة ذلك، تعبر جهات دينية سنية عن قلق بالغ حيال ما جرى، معتبرة أن المؤشرات خطيرة إلى حد يصعب احتواؤه لاحقاً، وتحذر من أن استمرار هذا المسار سيجعل الشارع خارج قدرة أي جهة على تهدئته مع تساؤلات صريحة حول موقع الدولة ودورها، ودعوات مباشرة إلى رئيس المجلس نبيه بري للتدخل بمستوى عال من الحكمة كما يُفترض، قبل أن تتدحرج الأمور إلى مواجهات لا يمكن ضبطها.