لم تكن حرب الـ12 يوماً بين إيران وإسرائيل مجرد جولة عسكرية خاطفة في سجل صراعات المنطقة، بل كانت لحظة كاشفة. خلال أيام قليلة، سقطت أوهام كثيرة، وَهم أن إيران بعيدة من الضربة المباشرة، وَهم أن الولايات المتحدة لا تريد التورط، ووَهم أن ساحات النفوذ يمكن أن تبقى منفصلة عن رأس المشروع.
بدأت الحرب كضربة على العمق الإيراني، لكنها لم تنتهِ عند حدود إيران، ما حصل يومها كان إعلاناً واضحاً بأن قواعد الاشتباك القديمة انتهت، لم تعد الرسائل ترسل فقط عبر الوكلاء ولا عبر الجبهات الفرعية، بل باتت تصل إلى المركز نفسه. ومنذ تلك اللحظة، دخل الإقليم مرحلة جديدة، مرحلة لا تقاس فيها القوة بعدد الصواريخ فقط، بل بقدرة كل طرف على النجاة سياسياً بعد الضربة.
اليوم، بعد عام، تبدو المنطقة كأنها لا تزال تعيش على إيقاع تلك الحرب. الهدوء ليس سلاماً، والتفاوض ليس تسوية نهائية، ووقف النار ليس نهاية للصراع، ما تبدل فقط هو شكل المعركة. انتقلت من السماء إلى الطاولة، ومن الصواريخ إلى الشروط، ومن الميدان إلى خرائط النفوذ.
وهنا تحديداً تكمن أهمية اللحظة اللبنانية.
فلبنان لم يكن يوماً تفصيلاً في الصراع الإيراني – الأميركي – الإسرائيلي، لكنه أيضاً لم يكن بمنأى عنه. لعقود طويلة، تم التعامل معه في كثير من الأحيان باعتباره جزءاً من توازنات المحاور الإقليمية وساحة تتقاطع فوقها الرسائل والصراعات. أما اليوم، فالصورة بدأت تختلف تدريجياً.
ومنذ حرب الـ12 يوماً، بدأت تتكرّس مقاربة جديدة تجاه لبنان على المستويين الدولي والإقليمي. فبعد سنوات طويلة كان يُنظر خلالها إلى لبنان باعتباره إحدى ساحات النفوذ الإيرانية في المنطقة، باتت غالبية العواصم المؤثرة تتعامل معه بوصفه دولة مستقلة تمتلك مؤسسات دستورية وسلطة شرعية يجب أن تكون المرجعية الوحيدة في أي تفاوض أو تفاهم أو ترتيبات مقبلة.
صحيح أن إيران لا تزال تنظر إلى لبنان من زاوية نفوذها الإقليمي، وأن إسرائيل لا تزال تربط أمن جبهتها الشمالية بما يحصل على الأراضي اللبنانية، إلا أن التحول الأبرز يتمثل في أن المجتمع الدولي لم يعد يتعامل مع لبنان باعتباره مجرد امتداد للصراع الإيراني، بل كدولة يفترض أن تتولى بنفسها إدارة قرارها السيادي والأمني والسياسي.
المفارقة أن الحرب التي قيل إنها انتهت بعد 12 يوماً فتحت حرباً أطول على معنى الدولة في لبنان. فمن يقرر الحرب؟ من يفاوض؟ من يعطي الضمانات؟ ومن يملك حق القول إن لبنان دخل المعركة أو خرج منها؟
هذه ليست أسئلة نظرية، بل هي جوهر ما يحصل اليوم، لأن أي اتفاق إقليمي لا يمر عبر الدولة اللبنانية، ولا يعيد حصرية القرار الأمني والعسكري إليها، سيكون مجرد هدنة جديدة فوق هشاشة قديمة. لكن الجديد هذه المرة أن مسار الأحداث يسير باتجاه مختلف عمّا عرفه لبنان خلال العقود الماضية.
فما بدأ في حزيران الماضي كان ضربة عسكرية، أما ما يحصل اليوم فهو محاولة لترجمة نتائج تلك الضربة سياسياً. إيران تريد أن تثبت أنها لم تُكسر، وأميركا تريد اتفاقاً يضبط النار لا يطفئها بالكامل، فيما تسعى إسرائيل إلى انتزاع ضمانات أمنية طويلة الأمد. أما في لبنان، فالمشهد لم يعد كما كان.
وللمرة الأولى منذ سنوات طويلة، تدور المفاوضات والاتصالات الأساسية حول الدولة اللبنانية ومن خلالها. فالجهات الدولية والإقليمية المعنية لم تعد تبحث عن قنوات موازية أو بدائل للمؤسسات الشرعية، بل تتعامل مع الدولة باعتبارها الجهة المخوّلة التفاوض وتقديم الضمانات وتحمل المسؤولية.
صحيح أن حزب الله يحاول الحفاظ على موقعه داخل أي مرحلة مقبلة، وأن يحجز لنفسه مكاناً في التسوية التي يُعاد رسمها في المنطقة، إلا أن الوقائع التي أفرزتها الحرب وما تلاها تشير إلى أن قواعد اللعبة تتبدل. فالدول المعنية بالملف اللبناني تتحدث اليوم مع الدولة اللبنانية، وتطالب الدولة اللبنانية بالضمانات، وتربط أي تفاهم مستقبلي بدور المؤسسات الشرعية لا بدور القوى الموازية لها.
وهنا تحديداً تكمن أهمية اللحظة الراهنة، فلبنان الذي استُخدم طويلاً صندوق بريد للرسائل الإقليمية، يحاول اليوم أن يكون صاحب الرسالة نفسها. وللمرة الأولى منذ سنوات، يجلس إلى الطاولة بصفته دولة تفاوض عن مصالحها الوطنية، لا نيابة عن مشاريع الآخرين.
بعد عام على حرب الـ12 يوماً، قد لا يكون أهم ما تغيّر هو ما حصل في طهران أو تل أبيب، بل ما بدأ يتغيّر في النظرة إلى لبنان نفسه. فالمعركة الحقيقية لم تعد تتعلق بمن يملك الصواريخ، بل بمن يملك القرار، وبين لبنان الذي كان يُعامل كساحة نفوذ، ولبنان الذي يسعى إلى تثبيت نفسه دولةً كاملة السيادة، تُرسم اليوم معالم المرحلة المقبلة.