كتب شادي هيلانة:
لم يمر كلام الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن إمكانية مساهمة سوريا في تنفيذ ضربات أكثر دقة ضد "حزب الله" مرور الكرام داخل غرف القرار الإقليمية، فالتصريح أتى في توقيت تشهد فيه المنطقة عملية إعادة رسم للأدوار والوظائف الأمنية، وفي لحظة تتزايد فيها الضغوط على كل المسارات التي كانت تُستخدم خلال السنوات الماضية لربط العراق بسوريا وصولاً إلى لبنان، ما جعل كثيرين يتعاملون مع كلام ترامب كإعلان مبكر عن مرحلة مختلفة لا تزال تفاصيلها النهائية قيد الصياغة.
وتكشف معلومات LebTalks عن أن النقاش داخل الإدارة السورية تجاوز مسألة التعاون الأمني التقليدي ووصل إلى البحث في شكل العلاقة الجديدة مع الغرب والولايات المتحدة، خصوصاً أن دمشق تدرك أن أي انخراط في ترتيبات تتصل بلبنان أو بملف الحزب لن يكون مجانياً، لذلك لا يزال الخلاف قائماً بين من يدفع نحو خطوات أوسع أملاً بالحصول على مكاسب سياسية واقتصادية كبيرة وبين من يخشى أن يؤدي الذهاب بعيداً في هذا المسار إلى فتح مواجهة داخلية وإقليمية معقدة في وقت لم تحصل فيه سوريا حتى الآن سوى على وعود مرتبطة برفع العقوبات والاستثمارات وإعادة الإعمار.
وفي هذا السياق، تكتسب مشاركة الرئيس السوري أحمد الشرع في قمة الناتو أهمية استثنائية، فالمطروح على الطاولة وفق المعطيات يتجاوز العلاقات الديبلوماسية إلى ملفات أمنية وعسكرية تتصل مباشرة بالحدود اللبنانية السورية، كما أن اللقاء المنتظر مع الرئيس التركي رجب أردوغان يُعد من أكثر المحطات حساسية، نظراً إلى أن أنقرة باتت لاعباً أساسياً في أي ترتيبات تتعلق بالشمال السوري وبخطوط العبور الممتدة نحو الداخل اللبناني، فيما تشير المعطيات إلى أن ملف ضبط الحدود سيحضر بقوة خلال المحادثات.
أما ميدانياً، فإن الحشود السورية المنتشرة على طول أجزاء واسعة من الحدود مع لبنان لا ترتبط بإجراءات روتينية كما يجري الترويج لها، فهناك خطة عمل يجري تنفيذها تدريجياً تهدف إلى إحكام السيطرة على المعابر الرسمية وغير الرسمية، وإقفال الثغرات التي كانت تُستخدم لنقل السلاح والعتاد والأفراد، كما أن التركيز لا يقتصر على الحدود اللبنانية فحسب، انما يمتد إلى المسار القادم من العراق، حيث تتابع جهات إقليمية ودولية حركة هذا الخط باعتباره أحد أبرز المسارات التي لا تزال تشكل مصدر قلق في الحسابات الأمنية المقبلة.
وتشير المعطيات، داخل الأوساط المعنية إلى أن المرحلة التي تلي قمة الناتو قد تشهد انتقالاً من سياسة المراقبة إلى سياسة التنفيذ، أي أن الضغوط لن تبقى سياسية وإعلامية فقط، وإنما ستأخذ طابعاً ميدانياً أكثر وضوحاً، من خلال تشديد الخناق على خطوط الإمداد، ورفع مستوى الرقابة الجوية والتقنية على المناطق الحدودية، مع احتمال تنفيذ عمليات أمنية مركزة تستهدف نقاطاً تعتبرها الجهات المعنية مفصلية في شبكة العبور بين سوريا ولبنان.
وتذهب التقديرات أبعد من ذلك، إذ يجري الحديث عن مرحلة قد يصبح فيها لبنان أمام واقع جديد بالكامل، عنوانه تجفيف كل المسارات التي يمكن أن تُستخدم لإعادة بناء القدرات العسكرية أو اللوجستية، الأمر الذي سيضع البلاد أمام تحديات أمنية وسياسية كبيرة، خصوصاً إذا ترافقت هذه الإجراءات مع تصعيد إسرائيلي يستفيد من أي تفاهمات دولية أو تُنجز بعد القمة.
لذلك، لا تبدو الأسابيع المقبلة عادية على الإطلاق، فكل المؤشرات تدل على أن ما يجري اليوم هو عملية تحضير هادئة لمرحلة أكثر حساسية، مرحلة قد تُغلق فيها الحدود بصورة غير مسبوقة، وتُفرض فيها وقائع أمنية جديدة على الأرض، فيما يبقى السؤال الأكبر هل تكون قمة الناتو نقطة انطلاق لمسار ضغط متدرج على لبنان أم أنها ستكون الشرارة التي تسبق تحولات أوسع قد تغير شكل المشهد بأكمله؟