تكتسب زيارة الأمير يزيد بن فرحان إلى بيروت أبعاداً تعكس اندفاعة سعودية محسوبة نحو إعادة تثبيت الحضور في الساحة اللبنانية من مدخل الاستقرار والأمن، في لحظة إقليمية دقيقة تتداخل فيها مسارات التهدئة مع حسابات النفوذ.
توحي القراءة الأولية لهذه الزيارة بأن بيروت عادت إلى خارطة الاهتمام المباشر، لكن وفق مقاربة مختلفة، أكثر تركيزاً على إعادة بناء التوازنات من داخل المؤسسات لا من خارجها.
في مضمون اللقاءات، يبرز توجه واضح نحو دعم الدولة كمرجعية وحيدة، مع الدفع باتجاه فتح قنوات تواصل بين القوى السياسية المتباعدة، ليس من باب التسوية السريعة، إنما من زاوية إدارة التباين وضبطه.
بالتالي، يعكس هذا المسار قناعة متنامية لدى العواصم المؤثرة بأن الانفجار في لبنان خطراً واقعياً يستدعي استباقه بتفاهمات تدريجية، تبدأ بالتهدئة ولا تنتهي عند إعادة تعريف الأولويات السياسية والأمنية.
وفي هذا السياق، يقدم الكاتب السياسي بشارة شربل عبر LebTalks قراءة تستند إلى معطيات يصفها بالدقيقة، حيث يلفت إلى أن السعودية تعمل على تثبيت مظلة أمان داخلية للبنان، بالتنسيق مع باريس والقاهرة، في محاولة لخلق توازن إقليمي داعم يمنع انزلاق البلاد إلى مزيد من التفكك.
ويشير إلى أن الرياض لا تكتفي بالدور الداعم، إنما تسعى إلى تسهيل مسار المفاوضات عبر إعادة التأكيد على المرجعيات الدستورية، وفي مقدمها اتفاق الطائف باعتباره الإطار الناظم لأي حل مستقبلي.
يضيف شربل أن اللقاءات التي جمعت المسؤولين السعوديين مع شخصيات لبنانية بارزة، ومن بينها المعاون السياسي لرئيس مجلس النواب علي حسن خليل، حملت رسائل واضحة لجهة التمسك بالميثاق الوطني، ونفي أي مقاربة تتحدث عن سقوطه أو تجاوزه.
كما شددت الرياض على ضرورة الوصول إلى توافق داخلي حول مسألة سلاح حزب الله، بوصفها المدخل الإلزامي لإعادة انتظام الحياة السياسية في موازاة حرص سعودي لافت على منع أي توتر مذهبي قد يهدد موقع رئاسة الحكومة والرئيس نواف سلام تحديدًا حيث يُنظر إلى استقرار هذا الموقع كجزء أساسي من توازن النظام.
ضمن هذه المعطيات، يتضح وفق تقدير شربل، أن الطرح السعودي لا يقوم على فرض إيقاع خارجي بقدر ما يراهن على تفعيل الديناميات الداخلية، شرط أن تلتقي عند سقف واحد عنوانه الدولة، بالتالي هذا التوجه ينسجم مع تحولات أوسع في السياسة السعودية حيث تميل الرياض إلى تقليص الانخراط المباشر في النزاعات، مقابل الاستثمار في التسويات المستدامة ولو تطلبت وقتاً أطول.
ومن زاوية أوسع، تشير مصادر ديبلوماسية عربية إلى أن الحراك السعودي في لبنان لا يمكن فصله عن مسار إقليمي يتجه نحو تخفيف التوترات في المنطقة، فهذا المناخ يفتح نافذة أمام لبنان لكنه في الوقت نفسه يفرض عليه شروطاً أكثر صرامة، أبرزها إثبات القدرة على إدارة شؤونه الداخلية بعيداً من منطق المحاور.
المقاربة الدولية للبنان تبدو بحسب المصادر متقاطعة مع هذا التوجه، إذ تتكثف الضغوط غير المعلنة لدفع القوى السياسية نحو تقديم تنازلات متبادلة، تبدأ من إعادة هيكلة السلطة وفق قواعد أكثر وضوحاً، في هذا الإطار يُقرأ الإصرار على مسألة حصرية السلاح بيد الدولة كجزء من إعادة تعريف السيادة لا كملف تقني أو أمني فحسب.