لم تعد الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج أحداثاً معزولة أو طارئة، بل تحوّلت إلى نمطٍ متكرّر يعكس استراتيجية إقليمية قائمة على توسيع النفوذ وفرض موازين قوى جديدة في المنطقة. فمن خلال أدوات مباشرة وغير مباشرة، تسعى طهران إلى ترسيخ حضورها عبر الضغط الأمني والعسكري، مستهدفة استقرار دول الخليج وسيادتها.
وقد تجلّت هذه السياسات في سلسلة من الهجمات والتدخلات التي طالت منشآت حيوية وممرات استراتيجية، ما وضع أمن المنطقة أمام تحديات غير مسبوقة، وفتح الباب أمام تصعيد مستمر يهدّد التوازن الإقليمي برمّته. وبينما تؤكد دول الخليج تمسّكها بالاستقرار، تستمر طهران في اختبار حدود الردع، في مشهد يعكس صراعاً مفتوحاً بين منطق الدولة ومنطق التمدّد.
في السياق أشار الصحافي والكاتب الكويتي داهم القحطاني إلى أن "في الحقيقة ليست جهة إيران التي تقصف الكويت؛ فالكويت تخوض حرباً فعلية من العراق، الميليشيات العراقية التابعة لإيران. وصدر بيان قبل يومين من ست دول أو ثماني دول تطلب من حكومة العراق ضبط الحدود وعدم ترك أي فرصة لهذه الميليشيات لقصف أي دولة. والعراق طلب معلومات أكثر وأي إحداثيات لمواقع مشتبه فيها".
وتابع القحطاني في حديث لـLebTalks أن "المسألة آخذة في الاتساع، ورأينا الآن كيف تستهدف الإمارات والكويت تحديداً وقطر إلى حد ما وأيضاً البحرين في منشآتها الحيوية والاقتصادية والتنموية. ففي البداية قالوا إن الأمر يتعلق بالقواعد الأميركية لكن هذه كانت ذريعة. الآن إيران تعقد مفاوضات مع الأميركان أو مع الجيش الأميركي أو مع السياسيين الأميركيين ومن ضمنها ترتيبات عسكرية، وفي الوقت نفسه تضع ذريعة الاعتداء على دول الخليج أو الاعتداء على القواعد الأميركية. طيب ما إنك قاعد تتفاهم معهم الآن، يعني في تناقض في الموقف".
ولفت إلى أن "على كل حال نحن نتوقع ألا تتسع الحرب. أولاً الحرب أوجعت النظام الإيراني بشكل كبير وأفقدته قدرته على حتى إدارة الدولة. تم اغتيال قيادات عدة مسؤولة عن مقتل مئات الآلاف من العرب في لبنان وفي سوريا وفي العراق وفي اليمن طوال السنوات الماضية. هناك محاولة من ما تبقى من النظام الإيراني لهزيمة أميركا عن طريق التحكم في الاقتصاد وخنق أي رئة يتنفس منها العالم اقتصادياً.
الآن خلال الأسبوع الماضي تم توحيد المواقف الأوروبية والأميركية والعربية والعالمية وإرسال رسالة واضحة لمن يقود إيران حالياً إن العالم كله لن يصمت على خنق رئة الاقتصاد العالمي عن طريق السيطرة على مضيق هرمز. وكانت هناك مبادرة مصرية تركية باكستانية لإعطاء النظام فرصة أخيرة وتحذيره إن هذه الفرصة الأخيرة وإلا فإن الأمور متجهة إلى القضاء كلياً على النظام وبعد ذلك إدارته عن طريق الأمم المتحدة. ولذلك الآن المفاوضات التي تعقد بشكل غير مباشر في باكستان تدور حول هذا الأمر".
وششد على أننا "لا نتوقع أن تتوسع الحرب لأن القدرة الإيرانية على القيام بعمليات برية تكاد تكون معدومة. وحصلت حادثة إن رئيس القوى البحرية الإيرانية التي كانت فرضاً أنها ستقود أي حرب تم اغتياله وتدمير السفينة البحرية التي كانت مركز عمليات البحرية الإيرانية. وفي هذا دليل على أن إيران لم تعد تملك لا الأجواء ولا البحر وربما يصل الأمر إلى أنها تفقد حتى القدرة على التحكم على الأرض بالرغم من أن قدرتها على التحكم قليلة جداً في الوضع الحالي".
أضاف القحطاني أن "دول مجلس التعاون الخليجي في الفترة الأخيرة للأسف مرّت بخلافات جذرية ولم تركز على تعزيز التعاون العسكري ولم تفعل التعاون الاقتصادي بشكل مطلوب، وكان هناك تنافس بين بعض دول الخليج على تحقيق المكاسب الاقتصادية في الإقليم وفي الوطن العربي.
أعتقد أن ما حصل في هذه الحرب، العدوان الإيراني، وحد دول الخليج. مسقط تقصف، أبو ظبي تقصف، دبي تقصف، الدوحة تقصف، البحرين تقصف، الرياض تقصف، الكويت تقصف؛ هذه رسالة بأن المصير واحد. وبالفعل أصبحت الحاجة ضرورية جداً أولاً للدفع نحو تشكيل قوة عربية تكون القوة المسيطرة فيها أو المؤثرة دول الخليج، وتكون حسب الاقتراحات التي أتوقع أنها ستطرح أن تكون الرياض على اعتبار أن الرياض على خط المواجهة. الآن المواجهة الفعلية ستكون إما من إيران أو من الصين فهذا مركز المواجهة".
وقال القحطاني في حديث لموقعنا: "في السابق كانت مصر تحظى بأدوار أكبر لأن المواجهة كانت مع إسرائيل. اليوم لا توجد مواجهة مع إسرائيل؛ إسرائيل تطلب السلام وتريد أن تستكمل عملية السلام التي بدأتها مع مصر. إسرائيل أو الكيان الصهيوني لا شك أنه عدو الجميع، ولكن الآن أصبح أمراً واقعاً والمصلحة تحتم في هذه المرحلة عدم الاصطدام به إلى حين تنمية الدول العربية وجعلها أقوى اقتصادياً وعسكرياً.
والمواجهة اليوم لم تعد عسكرية بالمعنى المجرد؛ اليوم المواجهة الحقيقية هي في مجال التقنيات والأمن السيبراني والمسيّرات والله أعلم بعد الأسلحة التي ستظهر في المستقبل. ولولا هذه التقنيات لذابت أوكرانيا أمام روسيا. روسيا هذه القوة الضاربة التي لديها قوات أقوى بكثير، استطاعت أوكرانيا الصمود والمبادرة بسبب التقنيات. لذلك دول الخليج العربي قادرة على أن تشكل قوة ضاربة من التقنيات العسكرية التي تنتجها بنفسها أو تسعى لإنتاجها بنفسها أو تحديثها، وهذا مشروع طويل لكنه من الممكن أن يتحقق".
لا تنفصل الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج عن مشروع إقليمي يسعى إلى فرض وقائع جديدة بالقوة، وغالبًا ما تتذرّع طهران بوجود قواعد أميركية في هذه الدول لتبرير سلوكها التصعيدي. إلا أنّ هذا التبرير لا يغيّر من حقيقة أنّ استهداف سيادة الدول وأمنها يشكّل انتهاكًا واضحًا لمبادئ الاستقرار الإقليمي.
وأمام هذا الواقع، تبدو المنطقة أمام مفترق حاسم، إمّا الاستمرار في دوامة التصعيد، أو إعادة ضبط معادلات الردع بما يضع حداً لهذه السياسات. فاستقرار الخليج لم يعد شأنًا محليًا، بل ركيزة أساسية في منظومة أمن أوسع، ما يجعل أي تهديد له يتجاوز حدوده الجغرافية ليطال توازنات دولية كاملة.