نقاش يتقدم بصمت... الفدرالية تعود بقوة؟

leb-flag

منذ سنوات طويلة كان الحديث عن الفدرالية في لبنان يمرّ كفكرة نظرية تثير الجدل أكثر مما تفتح باب النقاش الجدي، أما اليوم فقد انتقل هذا الطرح إلى مساحة مختلفة، مساحة يفرضها الانسداد السياسي العميق الذي تعيشه البلاد، حيث باتت أسئلة شكل الدولة وآليات الحكم وطبيعة العقد الوطني مطروحة على الطاولة من جديد، لا كترف فكري، وإنما كمحاولة للبحث عن مخارج لأزمة تبدو مفتوحة على المجهول.

وفي هذا السياق، أكدت مصادر قريبة من حزب القوات اللبنانية لموقع LebTalks أن أي تعديل في النظام السياسي اللبناني يحتاج إلى تحالف وطني عريض يتجاوز الاصطفافات التقليدية، مشددة على أن أي صيغة جديدة للحكم لن يكون لها مسار طبيعي إذا استمر واقع السلاح خارج إطار الدولة معتبرة أن المشكلة الأساسية لا تكمن فقط في شكل النظام،  وإنما في وجود فريق يمتلك القدرة على فرض موازين قوى مختلفة عن تلك التي تنتجها المؤسسات الدستورية.

وكشفت المصادر عن أن تكتل الجمهورية القوية يستعد لعقد اجتماع مخصص لهذا الملف، حيث ستُناقش مجموعة واسعة من الأفكار والخيارات المطروحة، ضمن مقاربة تفصيلية لا تزال قيد الدراسة، موضحة أن الطروحات المتداولة لم تتحول بعد إلى مشروع رسمي معتمد من حزب القوات بكل تفاصيله وخارطة طريقه السياسية والدستورية.

وتشير المعطيات إلى أن النقاش داخل القوات يتناول أكثر من نموذج وأكثر من صيغة، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن العودة إلى ما قبل السابع من تشرين الأول لم تعد ممكنة وأن التطورات التي شهدها لبنان والمنطقة فرضت إعادة النظر في المسلمات التي حكمت الحياة السياسية خلال العقود الماضية.

وتلفت المصادر عينها إلى أن الحزب لا يطرح أي مشروع تقسيمي أو انعزالي، وأن النقاش يجري تحت سقف الدولة اللبنانية وحدودها المعترف بها دولياً، أي ضمن مساحة لبنان الكاملة البالغة عشرة آلاف وأربعمئة واثنين وخمسين كيلومتراً مربعاً، معتبرة أن الهدف هو البحث عن نظام يمنح المكونات اللبنانية هامشاً أوسع لإدارة شؤونها المحلية، من دون المساس بوحدة الدولة أو سيادتها.

وفي موازاة هذا النقاش، يرى رئيس حزب الوطنيين الأحرار النائب كميل شمعون أن أي مشروع إصلاحي يبقى مجمداً طالما استمر وجود طرف مسلح خارج منطق الدولة، مؤكداً أن الوصول إلى أي صيغة سياسية مستقرة سواء كانت فدرالية أو غير فدرالية، يحتاج أولاً إلى قيام سلطة واحدة تحتكر القرار الأمني والعسكري.

ويعتبر شمعون في حدي لـLebTalks أن لبنان دفع أثماناً باهظة نتيجة الصراعات الطائفية وتضارب الولاءات السياسية، ما يفرض البحث عن نماذج جديدة لإدارة التعددية اللبنانية، لافتاً إلى أن الدول الكبرى اعتمدت أنظمة فدرالية نجحت في احتواء التنوع وتحويله إلى عنصر استقرار بدل أن يكون مصدر نزاع دائم.

ويؤكد في الوقت نفسه استمرار التواصل والتنسيق مع القوات اللبنانية حول هذا الملف، موضحاً أن تكثيف النقاشات والحوارات بين القوى السياسية قد يقود في نهاية المطاف إلى بلورة رؤية أكثر وضوحاً لمستقبل النظام اللبناني.

أما في القراءة السياسية الأوسع، فإن

النقاش الدائر حول الفدرالية لا يمكن عزله عن التحولات التي شهدها لبنان منذ سنوات، فالمسألة لم تعد مرتبطة فقط بتوزيع الصلاحيات بين المركز والأطراف، وإنما ترتبط أيضاً بأزمة الثقة المتراكمة بين المكونات اللبنانية، وبفشل الدولة المركزية في إنتاج إدارة متوازنة للتنوع السياسي والطائفي والإنمائي.

وتظهر التجارب العالمية أن نجاح أي نظام فدرالي لا يرتبط بالنصوص الدستورية وحدها، وإنما بقيام سلطة مركزية قوية وقادرة على فرض القانون على الجميع من دون استثناء، وهو ما يجعل أي نقاش لبناني حول الفدرالية مرتبطاً حكماً بمسألة السلاح والسيادة ووحدة القرار الوطني.

وفي المقابل، يطرح بعض الباحثين نموذجاً أقرب إلى اللامركزية السياسية الموسعة منه إلى الفدرالية الكاملة، حيث تحتفظ الدولة المركزية بالملفات السيادية الكبرى كالدفاع والسياسة الخارجية والنقد، فيما تُمنح الأقاليم صلاحيات واسعة في الإدارة والاقتصاد والإنماء، الأمر الذي قد يشكل مساحة وسطية بين النظام المركزي الحالي والنظام الفدرالي الكامل.

كما تبرز في بعض الأوساط السياسية أفكار تتعلق بصيغ كونفدرالية محدودة أو أشكال متقدمة من الإدارة الذاتية المحلية، غير أن هذه الطروحات تواجه إشكاليات دستورية وسياسية معقدة، لأن الكونفدرالية تقوم عادة بين كيانات مستقلة ذات سيادة، فيما يبقى لبنان دولة واحدة وفق الدستور والشرعية الدولية.

لذلك تبدو الفدرالية، بالنسبة إلى مؤيديها، محاولة لإعادة إنتاج الدولة على أسس جديدة تمنع تكرار الأزمات المزمنة، بينما ينظر إليها خصومها كمدخل قد يؤدي مع الوقت إلى تعميق الانقسامات القائمة، وبين هذين الرأيين يبقى السؤال الأكثر مطرحاً، هل تكمن أزمة لبنان في شكل النظام أم في عدم تطبيق أي نظام بصورة متساوية على جميع اللبنانيين، وهل يبدأ الإصلاح من تعديل البنية الدستورية، أم من استعادة الدولة لسلطتها الكاملة على كامل أراضيها!؟

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: