في أول اختبار سعودي للثقة بإيران، وقعَ أول خرق إيراني في اليمن حيث استهدف الحوثيون وزير الدفاع اليمني ومحافظ تعز بمسيّرة إيرانية أطلقتها ميليشيا الحوثي.
هذه الحادثة تُعتبر أول خرقٍ إيراني لاتفاق بكين بين الرياض وطهران، وتعيد إحياء الحذر من إيران لأنه معروف عنها عدم جدّيتها في الالتزام بالمواثيق والاتفاقيات، وعدم إمكانية الوثوق بنظام الملالي الذي من الصعب جداً عليه وقف دعم الميليشيات التابعة له في المنطقة.
في الواقع، ليس من السهل أبداً على الإيرانيين تجميد عمل القواعد التي أنشأتها على مدار ٤٠ عاماً في المنطقة والدول العربية التي تحتلها، كما من الصعب جداً على إيران وقف توريد السلاح وتصديره الى ميليشياتها ووقف الدعم المالي المتواصل لهذه الميليشيات، إذ لولا إيران وسلاحها وتدريبها لما تمكّنت تلك الميليشيات من الاستمرار طوال هذه السنوات.
وعلى الرغم من اتفاق بكين لا يزال في بدايات مهلة الشهرين التي حدّدها، فإن هذه العملية في اليمن هي الأولى من نوعها من حيث خطورتها ووقوعها في المنطقة الأقرب الى المملكة والأكثر أولوية لها.
الأنظار تبقى متجهة الى الصين الضامنة والراعية لاتفاق المملكة مع إيران، وثمة من يقول إنه، حتى الصين لا تملك التأثير القوي الذي يُحكى عنه على إيران، انطلاقاً من اعتبارات جيو سياسية تتحكّم بالعلاقة بين الصين ودول المحور الروسي- الإيراني- الكوري الشمالي، فبكين قد تكون مدركة أنه في ظل هذا الصراع الدولي و"التخندق العالمي" سيكون من الصعب، إن لم نقل من المستحيل، تفكيك هذا المحور وإضعافه انطلاقاً من التفرّد باتفاقيات تنزع إحدى حلقات هذا المحور من سياق صراعه مع الغرب.
إيران لا تزال تساهم في الحرب في أوكرانيا بصورة غير مباشرة لصالح روسيا وهي التي توفر المسيّرات لروسيا، كما أن لإيران مصالح إقتصادية مهمة مع الصين، وهي التي توفّر للصين خاصيات مهمة تتعلق بتجاوز العقوبات المفروضة عليها، فيما إيران هي مَن يحظى بنصيب الأسد من الدعم الروسي- الكوري الشمالي- الصيني حتى في برنامجها النووي.
قد يكون من السابق لأوانه نعي اتفاق بكين لكن الخرق الذي حصل في اليمن بالأمس يطرح أكثر من علامة استفهام حول كيفية مواءمة طهران مصالحها مع السعوديين، مع ضرورات استمرار دورها الإقليمي الذي لا يزال موضع تجاذبات بين الشرق والغرب حيث كل معسكر يجد في إيران "ورقة مساومة" وضغط وتمرير مصالح بدءاً من الولايات المتحدة وانتهاءً بالصين نفسها، فالكل مستفيد من الورقة الإيرانية ضد الآخرين وبالتالي طهران تستثمر حتى النهاية أهميتها الجيو سياسية والنووية كسباً لأكبر قدر ممكن من وقت لنظامها.
لا شيء يمنع إيران من استغلال الاتفاق مع الرياض كمخرج موقت لها يقيها لفترة زمنية من الاختناق الذي تعانيه، سواء في الداخل أو في العلاقة مع الغرب الذي يضغط عليها ويحاول تشديد الخناق لكن من دون الوصول الى قطع الأوكسجين عن النظام الذي لا يزال حاجةً نكاد نقول مشتركةً للغرب والشرق معاً.
المعروف أن الإيرانيين يحسنون "التقية والإنحناء" عندما تقوى العاصفة ولا يلبثوا أن يعودوا الى تصلّبهم عندما تمرّ تلك العاصفة، الأمر الذي يتطلب البقاء حذرين من مدى التزام طهران بموجبات الاتفاق الإيراني- السعودي، والتأكد من أن نوايا إيران تجاهه حسنة أم تقطيع لوقت ما بانتظار تطورات دولية وإقليمية تحرّرها من مثل هذه الموجبات.
إيران بحاجة الى وقت لتستطيع استعادة أنفاسها بعدما حوصرت داخلياً وخارجياً لتتمكن من إخماد أي نشاط معارض لها في الداخل، متّبعة أسلوب المناورة والمداورة والظهور بمظهر الساعي للسلام والتسويات والحوار، خافيةً حقيقة أنها تنحني مع العاصفة لا أكثر .
الى الآن يمكن القول إن تصرفات طهران بعد التوقيع على بيان بكين اقتصر على الإعلام المستبشر والمعلن لحسن النوايا، فيما على أرض الواقع لم يتغيّر شيء وبخاصة في ميادين وجود الميليشيات في المنطقة.
المهم لإيران بث صور إعلامية ودعائية فقط من دون تجاوز ذلك الى أفعال وقرارات تطبيقية، لكن الدول العربية وبخاصة المملكة العربية السعودية متيقنة من عدم جدية طهران في ما تعلنه وتوقّعه، ومن هنا منح طهران مهلة الشهرين من دون اتخاذ أية إجراءات عملية الى الآن من جانبها أيضاً.
يمكن القول في هذا الإطار إن الدول العربية، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية بتوقيعها بيان بكين إنما وضعت إسرائيل والولايات المتحدة أمام مسؤولياتهما لجهة وقف التلاعب بورقة إيران والاتجاه فعلياً إما الى ضرب البرنامج النووي الإيراني وإما الى الخضوع لمعادلات جديدة من شأنها أن تفجّر الأوضاع داخل إسرائيل كما أيضاً داخل أميركا نفسها
المملكة قلبت معادلة استخدام الورقة الإيرانية كونها ورقة إخافة وذعر العرب يستخدمها الثنائي الأميركي- الإسرائيلي، الى كونها ورقة عربية للضغط على تل أبيب وواشنطن لترجمة كل كلامهم السياسي الإعلامي العدائي للبرنامج النووي الإيراني الى أفعال والا ستنفجر أوضاعهما الداخلية كما الوضع الإيراني الداخلي.
إنها مرحلة مواجهة الحقائق في المنطقة وقد سرّعت الرياض عملية كشف الوجوه على حقيقتها لكل من إيران وإسرائيل وأميركا.