عن استنتاجات خاطئة حول انضمام الرياض الى المحور الشرقي…

74f6d5a9-6f71-454f-aa09-058f1535404a

منذ توقيع الاتفاق أو البيان المشترك السعودي- الإيراني- الصيني في بكين، والإعلان عن مهلة شهرين لعودة العلاقات الديبلوماسية بين الجارين الإقليميين اللدودين، نشهد زحمةً غير مسبوقة من التحليلات والمواقف والتقديرات والتنبؤات، منها ما يصيب ومنها ما يخيب.
من بين التساؤلات الكبرى، طرح مسألة استكمال الرياض إستدارتها نحو الصين وروسيا، والذهاب الى حدّ الانضمام الى محورهما وتخلّي المملكة عن علاقاتها مع الغرب تبعاً لاتفاق بكين وبحكم علاقات المملكة المنفتحة على الصين حيث دخلت معها في شراكات تجارية وإقتصادية ضخمة، وكذلك علاقاتها الطيبة مع الروس في أوبيك بلاس.
مَن يطرح مثل هذه السيناريوهات يُثبت لمَن يستمع اليه جهله كلياً للسياسة السعودية الجديدة التي أرسى قواعدها ومعاييرها الملك سلمان بن عبد العزيز وولي عهده الأمير محمد بن سلمان، وبالتالي جهله لمقومات العلاقات الخارجية السعودية مع الخارج القريب والبعيد.
من هنا، لنبدأ بالقول إن الرياض في وضعها الحالي ليست بحاجة حسب رأينا لأي انضمام الى أي محور، ولأي اصطفاف إقليمي أو دولي، فالمملكة في وضع سياسي داخلي وخارجي جيد جداً ومتقدّم جداً ل الى درجة يمكن القول إن ما من حدثٍ أو تطوّر في المنطقة أو في العالم يمكن أن يحصل من دون مروره بالرياض.

على الصعيد الإقتصادي العالمي، المملكة في وضع ممتاز وهي باتت من أوائل المتحكّمين بأسعار النفط والطاقة العالمية، أما على الصعيد السياسي الإقليمي فقد حصلت الرياض من إيران على ما تريده من التزامات إقليمية لوقف التدخل الايراني تختص بشؤون دول المنطقة، ووقف دعمها للميليشيات المحتلة بإسم ولاية الفقيه لعواصم عربية مهمة من بغداد الى بيروت. والرياض راهناً بصدد إستعادة العراق واليمن وسوريا الى الحضن العربي وهي بانتظار ترجمات عملية للعهود والوعود والالتزامات الإيرانية التي قُطعت أمام الراعي الصيني،
كما أن الرياض في وضع مريح جداً لجهة الخروج من عقدة البرنامج النووي الإيراني الذي لطالما استخدمه الأميركي والإسرائيلي لزعزعة استقرار المنطقة، فاتفقت الرياض مع طهران فألقت بذلك المملكة عبء محاربة النووي الإيراني على واشنطن وتل أبيب.
في الأيام الاخيرة بدأت تتبلور الأمور حول الاتفاق السعودي- ال إيراني أكثر فأكثر، وسوف تتبلور أيضاً مع الوقت لاسيما وأن النظام في إيران لا يؤمَن جانبه، ما يجعل من الخطأ الاستعجال في الاستنتاجات والأحكام ليس فقط في ملف العلاقات السعودية- الإيرانية بل أيضاً في ملف العلاقات المتجدّدة بين الرياض ودمشق.
رب قائل، وعن خطأ، إن الصين باتت هي سيدة الموقف في المنطقة منذ الاتفاق السعودي- الإيراني لأن الحقيقة مغايرة لهذا النوع من الاستنتاجات المتسرّعة وغير الملمّة بجوانب الحسابات الإقليمية والدولية كافة.
وللعلم، وفي إطار الحديث عن السيطرة ومَن يقود مَن في المنطقة والعالم، نورد على سبيل المثال والتذكير بأن مَن صنع الاتحاد الروسي الحالي وزعامة الرئيس فلاديمير بوتين نفسه هي أميركا نفسها منذ إقرار البيريسترويكا وإسقاط الاتحاد السوفياتي، لأن واشنطن أدارت هذا الانهيار كي لا تتفكك كل مكوّنات الاتحاد السابق وتتحوّل الدول الى كيانات متناثرة يصعب تنظيمها وضبطها، ففضلت واشنطن قيام الاتحاد الروسي الجامع للعديد من المكوّنات الإتنية والدينية والعرقية في اتحاد يسهل ضبط إيقاع نموه.
واشنطن أرادت منذ ذلك الحين الاتحاد الروسي ورئيسه بوتين واقفاً على أرجل ضعيفة تتسكع على أبواب الغرب حيث لا مفرّ من دعمه والتعامل معه،
ولعل هذا التسامح والتساهل الأميركيين مع روسيا الإتحادية ورئيسها بوتين يأتيان انطلاقاً من أن الزعيم الروسي لا يستطيع العيش والاستمرار من دون واشنطن والغرب، وهو ما شكّل عاملاً مشجعاً له في التمادي بضم جزيرة القرم في مرحلة أولى، ومن ثم في مرحلة ثانية شن عمليته الخاصة ضد أوكرانيا، مراهناً على سوء تقدير قوة موسكو وسوء تقدير ردة فعل الأوروبيين المنهمكين بخلافاتهم الداخلية. فكما أوصلت واشنطن ليلة اجتياح الرئيس العراقي الراحل صدام حسين للكويت إشارات عدم اكتراثها وعدم ممانعتها بأن يدخلها صدام، على لسان سفيرة واشنطن آنذاك ابريل غلاسبي، لتعود واشنطن وتتزعم تحالفاً دولياً لإسقاط صدام بعد تحرير الكويت، كذلك فعلتها واشنطن مرة ثانية حين أرسلت الى بوتين إشارات عدم اكتراث وممانعة بمهاجمة أوكرانيا حتى اذا دخلها تزعمت واشنطن الحملة الأطلسية والغربية لمساعدة كييف على مقاومة الغزو، الى درجة أننا أصبحنا اليوم قاب قوسين أو أدنى من مواجهة نووية دولية.
وبالعودة الى الصين ومدى سيطرتها على المنطقة وإمساكها بزمام الشرق الأوسط كما يحلو للبعض قوله، نستطيع التأكيد أن واشنطن مارست نفس أسلوب مخادعة خصومها وعلى رأسهم الصين من خلال إشعارهم بأنها في صدد التخلّي عن منطقة الشرق الأوسط وسحب سلاحها النوعي المتطوّر منها والإبقاء على ترسانة جوية وبرية قديمة ومحدودة، الأمر الذي شجّع الصين التي في المبدأ، ليست مستحبّة كحليف إقليمي بديل لاعتبارات عدة ليس أقلها كون بكين حليفة للأسد في دمشق وحليفة لإيران التي أبرمت معها اتفاقية ال٢٥ عاماً لإنماء الجمهورية الإسلامية في إيران وتطويرها، فضلاً عن كون الصين شيوعية كافرة بنظر العالم الإسلامي وهي وروسيا يمثلان قمة الإلحاد الشيوعي البغيض.
الرياض اذاً ليست بحاجة لأي اصطفاف لا شرقاً ولا غرباً ليكون لها دور وهي التي باتت مرجعاً إقليمياً ودولياً قيادياً يحتاجها الجميع غرباً وشرقاً، وتتقاطع على أبوابها مصالح دول العالم والمنطقة، كما أن القيادة السعودية ليست مضطرة للبحث عن دور ريادي وهي التي نجحت في إطلاق عجلة التطوّر والتقدم بحيث لا يمكن للرياض بعد ذلك أن تعود وتحبس نفسها في إطار تحالف شرقي لا يقويها ولا يزيدها، بل يزيد عليها الأحمال والأثقال التي لا علاقة لها بها، والذي يناقض توجهات القيادة السعودية من ضمن رؤية ولي العهد.
يُضاف الى ذلك أن المملكة ليست مضطرة لمعاداة الغرب من أميركا الى أوروبا، وهي التي تعتمد سياسة انفتاح وعلاقات مبنية على المصالح المشتركة معهم وعلى شراكات جيو سياسية وجيو إقتصادية متينة ومتقدّمة، ونذكر على سبيل المثال لا الحصر صفقة شراء طائرات البوينغ الأميركية التي اعتُبرت أكبر صفقة في تاريخ شركة الطيران الأميركية قيمةً وعدد طائرات.
الرياض أكبر من أن تدخل في اصطفافات إقليمية أو دولية لأنها بَنت سياساتها الخارجية على انتهاج الانفتاح على كل القوى العالمية والتعامل وفق المصالح المشتركة مع الجميع من دون خضوع ولا تبعية ولا اختزال من أحد لمواقفها وإرادتها السيّادية، وبالتالي لن تنضم المملكة الى معسكر شرقي ولا الى معسكر غربي، هي التي اختارت الحوار والانفتاح والمصالح أساساً للتعاطي مع الدول ومنها إيران، فالرياض تمسك بخيوط كل الملفات الإقليمية حتى مع إسرائيل التي لن تستطيع الاستحواذ على تطبيع مع الرياض وتشكيل ناتو إقليمي معها الا بعد موافقة تل أبيب على مبادرة السلام العربي لحل القضية الفلسطينية.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: