بشار الأسد أمام ساعة الحقيقة بعد قمة جدّة، فالنظام كما المعارضة مفلسين ومأزومين.
وقع الأسد في المصيدة وذهب الى الجامعة العربية ووافق على القرار ٨٩١٤ وهو قرار التطبيع مع سوريا في مقابل تنفيذ القرار الأممي ٢٢٥٤،
في المبدأ بشار الأسد بات ملزماً بإعادة اللاجئين الى مناطق آمنة، فيما ستُشرف لجنة عربية دولية على إعادة الإعمار عند تشكيل حكومة جديدة من دونه.
هذه الشروط اذا لم تجد طريقها للتنفيذ فإن سوريا برمّتها لن تشهد، لا إعادة إعمار ولا عودة النازحين ولا هدوءاً ولا سلاماً .
العرب أكدوا ويكرّرون التاكيد بأنهم لن يتركوا إيران تسرح وتمرح في سوريا مهما حصل، فيما تصاريح المسؤولين في النظام السوري تشير الى أن مسألة وجود إيران وحزب الله في سوريا شأن داخلي لا علاقة للعرب أو أي أحد به.
هذا الموقف السوري الرسمي الذي تردّد على أكثر من لسان مسؤول يشكل نقطة صدامية أولى وأساسية بين النظام والعرب، إذ ان هؤلاء لن يقبلوا باستمرار وجود إيران وميليشياتها في سوريا، ما يعني استمرار العمليات العسكرية فيما الأردن لا يزال يلوّح بقضم جنوب سوريا لحماية نفسه وأمنه القومي.
النظام لا يزال يراوغ ويناور وينتظر قرارات جامعة الدول العربية التي تفيده أو تسايره، وهذا من سابع المستحيلات بعد إقرار مبدأ "خطوة بخطوة ".
تركيا من جهتها تلعب ورقة الانتخابات مع تأكيد الرئيس التركي رجب طيب اردوغان ووزير خارجيته مولود تشاوش أوغلو على اتفاقهما مع بشار الأسد على إعادة اللاجئين من ضمن الحل السياسي، لكن سرعان ما رد عليه وزير خارجية النظام فيصل المقداد أن لا حل سياسي ولا تطبيع مع الأتراك قبل تعهّد تركيا بالانسحاب من شمال سوريا.
الأتراك بدورهم ردوا على الردّ السوري بأن وجودهم هو لحماية أمنهم القومي في ظل الفوضى التي تسود في سوريا، فاذا تمكن النظام من السيطرة على الحدود ومنع الفوضى عن تلك الحدود عندها لا مانع من الانسحاب.
المعارضة السورية بدأت عملية تنقية ذاتية استعداداً للتوجّه نحو تسوية سياسية بين النظام والمعارضة على أمل حصول الحل لاحقاً عندما يحين وقته ولن يحين قريباً على ما يبدو.
ما سيحصل في المرحلة المقبلة هو :
المزيد من الزيارات والمفاوضات والحراك السياسي المكوكي الى أن يبدأ النظام السوري الاعتراف بتشكيل حكومة من الموالاة والمعارضة للبدء بالعمل على الحل السياسي، الأمر الذي دونه عقبات داخلية وحسابات معقّدة للنظام تمنعه من السير في أي خريطة طريق سياسية مستقبلاً عن إيران.
كلمة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في القمة في جدّة كانت واضحة لجهة الأولوية للشعب السوري وليس النظام، تماماً كما فعل أمير الكويت ولي العهد الذي رحّب بعودة سوريا كدولة ومساعدة الشعب السوري وإلزام النظام بالقرار ٨٩١٤ الذي يفضي الى حل سياسي وفق القرار الأممي ٢٢٥٤،
فلا حل نهائي في سوريا الا بتنفيذ هذا القرار الأممي، ما يعني رحيل نظام الأسد وتغيير النظام في سوريا.
المانيا وبريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة ودول مجموعة السبع الأخرى من جهتهم يصرّون على عدم إجراء أي حوار مع النظام السوري قبل الحل السياسي ومشروع القانون الأميركي المحال الى مجلس الشيوخ لمنع التطبيع مع النظام ومعاقبة كل مَن يطبّع معه جارٍ على قدمٍ وساق.
المانيا أعلنت بوضوح تام بأن العقوبات على النظام السوري لن تُرفع ولن يحصل أي تطبيع أو تعامل مع النظام حتى تحقيق سياسة "الخطوة بخطوة" وصولاً الى الحل السياسي في سوريا.
الخطوة الأولى التي يرمي النظام السوري الآن لتحقيقها بغية تحسين مواقعه الداخلية هي البدء بالسيطرة على الشمال السوري، لكن يبقى أن أمامه التزام بتنفيذ بنود القرار ٨٩١٤ تحت طائلة عودة العزلة والحصار حتى العربي على النظام، مع الإشارة الى أنه وفي خضم ما اعتبر بداية انفراج عربي سوري خلال فترة القمة في جدّة وبعدها، سجّلت الليرة السورية خلال الأيام القليلة الماضية بعض التحسّن كعلامة تشجيع من الإمارات والمملكة العربية السعودية للنظام إن سار في الحل السياسي وكإثبات له على الفائدة التي تنتظر سوريا إن تعاون في الالتزام بما اتفق عليه، لكن هيهات أن يلتزم الأسد بأي شيء مما تقدّم لأنه يدرك أن نهاية مطاف إطلاق الحل السياسي ستكون رحيله،
لذلك كله فإن بشار الأسد يناور الى الآن ويعتزم التوجه شمالاً للسيطرة على السلاح وتحجيم المعارضة تحسباً لما يمكن أن يُفرض عليه لاحقاً، لكنه سيفشل لأن تحركاته "خبط عشواء" تترجم تخبطه الداخلي وغرقه في أتون أفعاله وارتكاباته وسياساته الفاشلة.
على صعيد عربي آخر، من المتوقع أن تقوم الدول العربية ولا سيما الإمارات والسعودية بالضغط على تركيا التي صرّحت منذ يومين عن استعدادها لإعادة النازحين، وعن وجود مشروع بناء مدن لاستيعاب النازحين بتمويل خليجي في ظل معلومات ترجح تأميناً للحدود التركية حصول انتشار قوات عربية مشتركة أو قوات أممية أو من الجيش السوري المتعافي من ضمن تسوية مع المعارضة لتأمين الحدود بين تركيا وسوريا إن لم يعرقل النظام هذه الخطة.
أولى خطوات التطبيع بين تركيا والنظام السوري بدأت بلقاء وزيري خارجية البلدين، لكن يبقى من الصعب رؤية بشار الأسد يطبّع مع تركيا وهو الذي سيلعب على كسب الوقت والتسويف ولكن مع محاولته استرجاع الشمال السوري كعفرين وإدلب ومعبر كسب ومعبر باب الهوا حتى الجنوب السوري في ظل عدم ممانعة تركية حيال ذلك.
ثمة مَن يرى أن التطبيع السوري- التركي متوقع بعد الانتخابات في تركيا لكن أنقرة خلال هذه الفترة أعلنت عن إعادة أكثر من نصف مليون نازح سوري الى سوريا في اتصالات مباشرة مع الأسد.
الرئيس التركي أعلن عن عدم وجود موانع لديه للقاء الأسد لكن وزير الخارجية السوري فيصل المقداد ردّ عليه بوجود مانع ما لم يصرّح اردوغان رسمياً بالانسحاب من شمال سوريا.
أوروبا صرفت وتصرف المليارات على النازحين السوريين في تركيا، وبالتالي أنقرة لم تصرف قرشاً بل استفادت من الأموال الأوروبية للسوريين .
وحده شرق الفرات سيبقى خارج سوريا ولن يعود لسوريا قبل الحل السياسي الشامل وقبل الحصول على ما تريده القوى المسيطرة.
مصير الانفتاح العربي على نظام الأسد اذاً قاتم وغير مضمون، فبعد قطر التي لن توظف ريالاً واحداً طالما النظام لا يزال موجوداً، كذلك المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات لن يقومان بأي استثمار من دون الحل السياسي في سوريا، خصوصاً أن وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان كان واضحاً في كلامه غداة قمة جدّة بأن زمن الهبات والمساعدات المجانية لم تعد موجودة ونحن أمام مبادرة تعتمد نهج خطوة مقابل خطوة فأي خطوة يطبقها الأسد نطبق مقابلها خطوة .
من كلام الأسد في القمة ومن مواقف وزير خارجيته ونائبه أيمن سوسان، يعتبر النظام أنه قدّم كل شيء، ولا استجابة لطلبات العرب بانسحاب إيران وحزب الله من سوريا كون هذا الموضوع شأن سوري داخلي.
من هنا، فإنه من شبه المؤكد أن النظام السوري غير قادر وغير قابل بالسير بخطة التطبيع والانفتاح العربي الى النهاية، وغير قابل بالقيام بأي خطوة، وهو الذي يعتبر أنه قدّم كل شيء رافضاً تطبيق القرار ٢٢٥٤، وبالتالي ملف النزوح السوري سيبقى بلا حل ولن يخرج الإيراني ولا حزب الله من سوريا والعرب لن يقدموا شيئاً.
بشار الأسد لم يحصد شيئاً من القمة العربية في جدّة سوى صورة إعلامية جمعته بالقادة العرب، بينما على أرض الواقعَين السياسي والاقتصادي لم يقدم أي شيء ولن يقدم العرب له شيئاً بالمقابل.
فضلً عن كل هذا، فإن قانون قيصر يحتّم على العرب عدم قدرتهم على اختراق العقوبات الأميركية خصوصاً، وأن مكافحة التطبيع مع الأسد والذي يطبخ نص قانونها الأميركي حالياً يمنع جمع أي مبلغ يزيد عن خمسين ألف دولار للنظام السوري.
الدعم العربي اذاً لسوريا بات يخضع لاعتبارين :
الأول مدى تجاوب الأسد مع الشروط العربية المسبقة لإعادة التطبيع معه والتي رفضها الأسد كلها، والثاني متعلق بالقرارات الأميركية التي لا يستطيع العرب تجاوزها والتصادم مع الأميركيين والأوروبيين حولها.
من هنا، فإن التطبيع العربي مع نظام الأسد، رغم كل الكلام الإعلامي والدعائي والترويجي المزيف والمحوّر والمحرّف، حكمَ على نفسه بالإعدام بسبب تعنّت الأسد ونظامه وتفضيله الأحضان البديلة على الحضن العربي الذي لا يبقي له أي صلة بالانتماء للعائلة العربية.
الأسد نحرَ عروبة سوريا على مذبح أنانيته وشهوة السلطة والاستبداد والطغيان والفتك بشعبه ووطنه في سبيل مصالحه ومصالح أعداء العرب والمنطقة.