أبي سمرا يشرح لـLebTalks.. هل تنجح الـPilot Zone؟

janoub102

في خضم النقاش الدائر حول مستقبل الجنوب وآليات تثبيت الاستقرار، برز مصطلح الـPilot Zone أو "المنطقة النموذجية" كأحد الخيارات المطروحة لاختبار قدرة الدولة اللبنانية على فرض سلطتها الكاملة على منطقة محددة، قبل تعميم التجربة على نطاق أوسع.

وتقوم الفكرة على اختيار منطقة جغرافية محددة، تتولى فيها الدولة اللبنانية، عبر الجيش والقوى الشرعية، المسؤولية الأمنية الكاملة، بما يشمل ضبط الأرض ومنع أي نشاط عسكري خارج إطار المؤسسات الرسمية. ويُنظر إلى هذه الخطوة على أنها اختبار عملي لمدى قدرة الدولة على تنفيذ الالتزامات المطلوبة منها، في ظل التعقيدات الأمنية والسياسية القائمة.

في هذا السياق، أشار الخبير العسكري العميد المتقاعد طوني أبي سمرا إلى أن التجارب السابقة أثبتت أن الحلول الجزئية والترقيعية غالباً ما تفشل، حتى في المناطق التي تُعتبر منزوعة السلاح وتفترض وجود سلطة كاملة للدولة عليها. وذكّر بأن مجلس الوزراء اتخذ قبل أشهر قراراً باعتبار بيروت مدينة منزوعة السلاح، إلا أن هذا القرار لم يُترجم عملياً على أرض الواقع.

واعتبر أبي سمرا في حديث لـLebTalks أن المشكلة لا تكمن في إصدار القرارات بحد ذاتها، بل في قدرة الدولة على تنفيذها بصورة كاملة وحاسمة، مشيراً إلى أن الإجراءات المحدودة زمانياً ومكانياً لا تكفي لمعالجة أزمة بهذا الحجم.

أضاف أنه يشكك في نوايا حزب الله من جهة، كما يشكك في استعداد إسرائيل لتصديق الدولة اللبنانية أو منحها الثقة الكاملة في هذا الملف، لافتاً إلى أن إسرائيل لن تضع أمنها رهينة نجاح أو عدم نجاح الجيش اللبناني في تنفيذ مهماته.

وفي قراءته للواقع الميداني، لفت إلى الأهمية الاستراتيجية لمنطقة إبل السقي – القليعة – دبين، في ظل تمركز القوات الإسرائيلية في قلعة الشقيف وإمكانية تمددها شمالاً أو جنوباً، إضافة إلى وجودها في جبل الشيخ. ورأى أن هذه المنطقة قد تتحول إلى نقطة مفصلية تسمح، في حال تطور الأوضاع، بفصل البقاع الغربي عن الجنوب وقطع خطوط التواصل بينهما.

وأشار أبي سمرا إلى أن المواقع الإسرائيلية المرتفعة تمنح الجيش الإسرائيلي قدرة واسعة على مراقبة انتشار الجيش اللبناني وتحركاته داخل هذا المثلث الجغرافي. وسأل: إذا تسلم الجيش اللبناني المسؤولية الكاملة في هذه المنطقة، فهل سيكون قادراً فعلاً على ضبطها ومنع أي حركة أو تواصل بين البقاع الغربي والجنوب؟ وإذا لم يتمكن من ذلك، فكيف سيكون رد الفعل الإسرائيلي إذا اعتبر أن هناك خطراً أمنياً قائماً؟

أضاف أن أي مقاربة جدية لهذا الملف تتطلب سيطرة كاملة للجيش اللبناني، لا مجرد سيطرة عملانية أو شكلية، لأن الواقع الميداني لا يحتمل أنصاف الحلول. وختم بالإشارة إلى أن إسرائيل قد تسمح للجيش اللبناني بمحاولة بسط سلطته في منطقة إبل السقي – القليعة – دبين، لكنها ستبقى تراقب النتائج عن كثب قبل أن تبني عليها أي استنتاجات أو قرارات مستقبلية.

واعتبر أبي سمرا أن الاتفاق المطروح اليوم لا يختلف كثيراً، في جوهره، عن محطات سابقة عاشها لبنان منذ حقبة الوجود الفلسطيني المسلح وصولاً إلى مرحلة ما بعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وثورة الأرز، مضيفاً أن "إذا استبدلنا أسماء منظمة التحرير الفلسطينية وياسر عرفات بالأطراف الحالية في الاتفاق، سنجد أن العناوين نفسها تتكرر: السيادة اللبنانية، حصرية السلاح بيد الدولة، وبسط سلطة الشرعية على كامل الأراضي اللبنانية".

وأشار إلى أن هذه المبادئ ليست جديدة على اللبنانيين، بل شكّلت محور معظم التسويات والاتفاقات التي شهدها لبنان خلال العقود الماضية. إلا أن المشكلة، برأيه، لم تكن يوماً في النصوص أو الشعارات، بل في القدرة على التطبيق والتنفيذ.

ورأى أن هذا الاتفاق يبقى هشّاً بطبيعته، لأنه يرتكز على فرضيتين أساسيتين لا تزالان موضع شك كبير، انسحاب حزب الله من المشهد العسكري، وفصل المسار اللبناني عن المسار الإيراني.

وأشار إلى أن الجميع يدرك، بمن فيهم الإسرائيليون، أن الدولة اللبنانية لا تملك حتى الآن القدرة الفعلية على إلزام حزب الله بتسليم سلاحه أو إعادة انتشاره أو الالتزام الكامل بالترتيبات المطلوبة. كما أن ارتباط الحزب الوثيق بالخيارات الاستراتيجية الإيرانية يجعل من الصعب التعامل مع الملف اللبناني بمعزل عن التطورات الإقليمية الأوسع.

أضاف أن أي اتفاق يقوم على افتراض قدرة الدولة وحدها على تنفيذ هذه الالتزامات من دون معالجة البعد الإقليمي للملف، يبقى عرضة للاهتزاز عند أول اختبار ميداني أو سياسي. لذلك، فإن استدامة أي تسوية لن ترتبط فقط بما يُتفق عليه على الورق، بل بمدى قدرة الأطراف المعنية على ترجمة هذه الالتزامات عملياً، وبفصل القرار اللبناني عن التجاذبات والصراعات الإقليمية التي حكمته طوال السنوات الماضية.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: