أزمة مضيق هرمز.. "جوكر" واشنطن الجيوسياسي بوجه الصين وأوروبا

hurmuz

كتب جورج ابو صعب:

دخلت العمليات العسكرية في إيران مرحلة دقيقة وخطيرة جداً، مع تصاعد وتيرة القصف الجوي والبحري واستهداف عدد هائل من الأهداف الإيرانية، بالتوازي مع استكمال واشنطن تحضيراتها الميدانية لخوض ما يمكن تسميته بـ"حرب الجزر" بين كرج وجزر مضيق هرمز.

في قراءة جيوسياسية مدعّمة بمعلومات ومعطيات شبه مؤكدة، يمكن التوقف عند الملاحظات التالية:

أولاً: الصراع الدائر حالياً بين واشنطن وطهران بات مرتكزاً على عاملين يشكّلان أساس أي تفاوض مستقبلي بين الطرفين: الحفاظ على النظام، أو ما تبقّى منه، ضمن ضوابط تضمن عدم تحوّله إلى مصدر تهديد لمصالح الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل ودول المنطقة، إضافة إلى ملف مضيق هرمز لما له من تأثير ضخم على الاقتصاد العالمي.

ويأتي ضمن هذين العاملين الملف النووي الإيراني، الذي تضعه واشنطن في صدارة أولوياتها، نظراً إلى حاجة الرئيس دونالد ترامب إلى إنجاز نوعي يبرّر من خلاله أمام الرأي العام الأميركي عملياته العسكرية ضد النظام في طهران، ولضمان عدم تمكّن إيران مستقبلاً من تشكيل تهديد نووي لمصالح واشنطن وحلفائها، ولا سيما دول الخليج العربي، بعد حسم ملف هرمز.

ثانياً: لا نبالغ إن قلنا إن الهدف الحقيقي والجيوستراتيجي لواشنطن في مقاربتها لملف مضيق هرمز هو الصين أولاً، والأوروبيون ثانياً. فالدول الأكثر استفادة من هذا الممر الحيوي ليست الولايات المتحدة، بل هذه القوى الاقتصادية الكبرى. من هنا يمكن فهم لعبة الضغط والابتزاز التي تمارسها واشنطن في هذا الملف، كما يمكن تفسير الضغط الدبلوماسي الكبير الذي يمارسه الرئيس دونالد ترامب على الدول المعنية مباشرة بإيجاد حل للمضيق.

ولا يخفي ترامب، في مختلف تصريحاته، امتعاضه، بل غضبه، من حلفائه في حلف الناتو الذين لم يقدّموا الدعم الكافي، رغم أن واشنطن تتحمّل نحو 70% من ميزانية الحلف، إضافة إلى مساهمتها بحوالي 25% من ميزانية الأمم المتحدة.

وبالتالي، فإن لسان حال الإدارة الأميركية يقول إن على الدول المتضررة من عدم استقرار المضيق أن تبادر إلى حماية مصالحها بنفسها، فيما تركّز واشنطن على النفط، وعلى مسألة اليورانيوم، بما في ذلك نحو 10,000 غرام مخصّص للتخصيب، منها 450 غراماً يُقال إنها تكفي لإنتاج 11 قنبلة قذرة.

ثالثاً: تبدو الصين، في حسابات واشنطن، مضطرة للتدخل دفاعاً عن ممر حيوي لاقتصادها، ما يعني أن أي قمة أميركية-صينية مقبلة لن تنعقد إلا تحت ضغط تدخل صيني مباشر أو غير مباشر على طهران لتسوية تؤدي إلى فتح المضيق. فبكين لا تملك ترف التخلي عن هذا الشريان الحيوي.

وكما في كل معادلات السياسة الدولية، فإن لكل خطوة ثمنها، ما يطرح تساؤلاً مشروعاً حول المقابل الذي قد تطلبه واشنطن من بكين في حال منحتها دوراً في حل أزمة المضيق لصالح الدول المستفيدة منه.

رابعاً: العمليات العسكرية الأميركية مرشحة للاستمرار لأسابيع إضافية، بالتوازي مع محاولات باكستانية حثيثة لاحتواء التصعيد عبر التفاوض. وفي أحدث المواقف الرسمية، يظهر رفض إيراني لشروط واشنطن، يقابله رفض أميركي لشروط طهران، ما يعني أن المفاوضات وصلت إلى حائط مسدود في الوقت الراهن.

أما مواقف الرئيس دونالد ترامب التي تبدو أحياناً مهادنة، وتحمل إيحاءات باتجاه التهدئة وإنهاء الحرب، فلا يمكن فصلها عن محاولة تهدئة الأسواق العالمية، ولا سيما أسعار الطاقة والنفط والغاز، إضافة إلى الذهب والعملات الرقمية والبورصات، فضلاً عن طمأنة الرأي العام الأميركي الداخلي، الذي يشهد تجاذبات بين الديمقراطيين والجمهوريين، وخصوصاً قاعدة "ماغا" الداعمة له، والتي ينتظر منها الوفاء بوعده بحسم ملف إيران.

خامساً: يسعى الرئيس دونالد ترامب إلى السيطرة على النفط الإيراني كأحد أبرز أوراق الضغط في مواجهته مع الصين، ما يمنحه أداة استراتيجية للتحكم باحتياجات بكين، بالتوازي مع محاولته فرض السيطرة على مضيق هرمز عبر الجزر، ولا سيما جزيرتي كرج وكشم.

وعليه، فإن المتضرر الأكبر من إقفال مضيق هرمز يبقى الصين وشرق آسيا وأوروبا، وهي الورقة التي تحاول واشنطن من خلالها تكريس موقعها كمتحكم أساسي بمفاصل الطاقة العالمية.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: