قد يكون من المبكر الحديث عن شرخ سياسي بين حركة أمل وحزب الله، لكن ما حصل في البيسارية لا يمكن التعامل معه كحادثة عابرة أو إشكال محلي محدود. فما حصل يكشف جانباً من التحولات التي تشهدها البيئة الشيعية بعد الحرب الأخيرة، ويظهر أن التماهي الكامل بين جمهور أمل وجمهور "الحزب" لم يعد أمراً مسلّماً به كما كان في السابق.
وتشير مصادر سياسية إلى أن السنوات الماضية، ولا سيما الأشهر الأخيرة، فرضت واقعاً مختلفاً داخل الشارع الشيعي. فبينما بقي "الحزب" متمسكاً بخياراته الإقليمية والعسكرية وربط الساحة اللبنانية بمسارات الصراع الممتدة من غزة إلى طهران، بدأ جزء من القاعدة الشعبية المحسوبة على "أمل" ينظر إلى الأمور من زاوية مختلفة، عنوانها الخسائر اليومية التي يدفعها الجنوب واللبنانيون عموماً نتيجة هذه الخيارات.
وترى المصادر في حديث لـLebTalks أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في العلاقة بين رئيس مجلس النواب نبيه بري و"الحزب" على مستوى القيادة، بل في اتساع الفجوة بين جزء من جمهور أمل وبين المشروع الذي يقوده "الحزب". فالكثير من أبناء هذه البيئة باتوا يطرحون أسئلة مرتبطة بمستقبل الجنوب، وإعادة الإعمار، والاستقرار، وهي أسئلة لا تجد دائماً أجوبة مقنعة في خطاب "المواجهة المفتوحة" أو "وحدة الساحات".
ومن هنا، تقول المصادر إن البيسارية لم تكن السبب، بل كانت النتيجة، نتيجة تراكمات طويلة من التململ الشعبي والاعتراض الصامت الذي بدأ يظهر إلى العلن كلما ارتفعت كلفة الحرب وتراجعت قدرة الناس على تحمّل نتائجها.
أما بري، فتعتبر المصادر أنه يدرك جيداً حجم هذه التحولات، وربما أكثر من أي طرف آخر داخل الثنائي "أمل ـ الحزب". إلا أن المشكلة تكمن في أن هامش حركته السياسية بات شديد الضيق. فهو من جهة يعرف أن جزءاً متزايداً من بيئته لم يعد يتبنى كل الخيارات نفسها التي يتبناها "الحزب"، ومن جهة أخرى لا يستطيع الذهاب إلى افتراق سياسي حقيقي عنه.
تضيف المصادر أن بري أصبح أسير معادلة معقدة، فهو يحتاج إلى الحفاظ على التحالف مع "الحزب" لضمان التوازنات السياسية والطائفية القائمة، لكنه في الوقت نفسه يدرك أن هذا التحالف بات يحمّله أثماناً شعبية متزايدة داخل بيئته الخاصة.
وتلفت المصادر إلى أن أهمية هذا التحول لا تكمن في احتمال حصول خلاف بين بري والحزب، بل في أن أي تباعد بين المزاج الشعبي في بيئة أمل وبين خيارات الحزب يضعف تلقائياً قدرة الثنائي على تقديم نفسه ككتلة شعبية وسياسية متجانسة. فالقوة التي امتلكها الثنائي طوال السنوات الماضية لم تكن ناتجة فقط عن التحالف بين القيادتين، بل أيضاً عن وجود حاضنة شعبية شبه موحدة. أما اليوم، فإن المؤشرات الآتية من الشارع توحي بأن هذه الوحدة لم تعد مطلقة كما كانت في السابق.
ولذلك، فإن كثيراً من المواقف التي يتبناها بري اليوم لا تعكس بالضرورة كل ما يدور داخل بيئته السياسية، بل تأتي في إطار محاولة إدارة التوازنات وتجنّب أي صدام داخل البيت الشيعي. بمعنى آخر، لم يعد السؤال ما إذا كان بري مقتنعاً بكل خيارات "الحزب"، بل ما إذا كان يملك أصلاً هامشاً يسمح له بالاعتراض عليها.
وتختم المصادر السياسية بالتأكيد أن التحدي الأكبر أمام بري لم يعد في إدارة العلاقة مع خصومه السياسيين، بل في إدارة التناقض المتزايد بين المزاج السائد داخل جزء من بيئته الشعبية وبين واقع التحالف المفروض عليه مع "الحزب". فكلما ارتفعت كلفة المشروع الإقليمي على اللبنانيين، اتسعت الفجوة أكثر، وكلما اتسعت هذه الفجوة، ازدادت صعوبة إبقاءها تحت السيطرة.
وإذا كانت قيادة الثنائي "أمل ـ الحزب" لا تزال حتى الآن قادرة على ضبط الخلافات ومنع ظهورها إلى العلن، فإن ما حصل في البيسارية يشير إلى أن المشكلة لم تعد سياسية فقط، بل أصبحت شعبية أيضاً. وعندما تصل الاعتراضات إلى الشارع، تصبح أكثر خطورة من أي خلاف داخل غرف السياسة المغلقة.