الضغط العسكري يعود مع تراجع مسار المفاوضات

america-iran

من الملاحظ، مع استئناف التصعيد الأميركي - الإيراني العسكري منذ أيام، وهدنة تشييع المرشد السابق، أن المفاوضات الأميركية - الإيرانية دخلت في غيبوبة، كي لا نقول أكثر.

السبب واضح: فما بُني على غموض وتجهيل وتغييب للجداول الزمنية، و"إرجاءات" مناقشة قضايا أساسية إلى ما بعد، سيؤدي لا محال إلى سقوط التفاهم والعودة إلى الحرب.

النظام في إيران، البارع في لعبة كسب الوقت وحياكة السجادات الديبلوماسية الطويلة النفس، لا يجد هذه المرة أمامه محاوراً ومفاوضاً ذا بال طويل، والمقصود هنا الرئيس دونالد ترامب. وبالتالي، ما كان يصح سابقاً مع رؤساء ديموقراطيين لا يصح مع إدارة الرئيس الأميركي الحالي.

صحيح أن النظام الإيراني بادر إلى إطلاق النار والاعتداء على السفن القطرية والأميركية منذ أيام، ولكن الصحيح أيضاً أن هذا النظام في إيران بات ممسوكاً أكثر فأكثر من المتشددين من حاشية المرشد مجتبى خامنئي والحرس الثوري. وبالتالي، فإن هذا الجناح المتشدد، الذي يرفض من الأساس التفاوض، يحمّل الفريق السياسي الإيراني، المتمثل بالرئيس مسعود بزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقجي ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، مسؤولية التنازل والتخلي عن الخطوط الحمر المتمثلة بعدم مناقشة "الحقوق السيادية" للجمهورية الإسلامية في إيران، كمثل التخصيب والنووي وهرمز وسواها.

فيبدو أن هذا الجناح المتشدد عاد إلى الواجهة، ومعه التشدد في المفاوضات، ما سيؤدي لا محال إلى تجدد الحرب، وإذا بنا نشهد منذ يومين عودةً للتصعيد في المنطقة، مرشحةً للتوسع والتفاقم.

في استنتاج أولي للوضع الحالي، يمكن القول إن مسار التفاوض تراجع، و"الخيار العسكري بات على الطاولة"، رغم الرسائل السياسية المتناقضة التي اعتاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب توجيهها للإيرانيين لحثهم على التنازل.

فبين هجمات واستهدافات لسفن في الخليج، وضربات أميركية وردود إيرانية على قاعدة قالت الولايات المتحدة إنها استُهدفت، وبين الخلاف على نص مذكرة التفاهم، خصوصاً في مسألة رسوم الممرات البحرية (مضيق هرمز)، فإن التحركات الديبلوماسية الخليجية، ومنها (زيارات التعزية لطهران)، وسط توتر عسكري واقتصادي، لن تفلح في إعادة القيادة الإيرانية المتشددة إلى صواب العقل والمنطق.

ففقدان التوازن يتفاقم في المنطقة يوماً بعد يوم، والتفاوض ضعُف، والتهديدات تجددت من الجانبين الأميركي والإيراني، في ظل رسائل متضاربة من الإدارة الأميركية تتراوح بين التهديدات بعودة الضربات وبين نفي الرغبة في الحرب.

في هذه الأثناء، أجرت الولايات المتحدة وحلفاؤها مناورات جوية كبيرة: 5000 طلعة جوية ذُكرت في تقارير الناتو، بالتزامن مع هجمات أميركية على أهداف في إيران، ورد إيراني باستهداف سفن خليجية (البحرين والكويت). وقد بررت القيادة الإيرانية استهدافات إيران بأنها تطال المصالح والقواعد الأميركية في الدول الخليجية، لا الدول نفسها.

يُذكر أن ثمة تقارير أميركية تشير إلى أضرار كبيرة في القواعد الأميركية في المنطقة، يحتاج ترميمها وإصلاحها إلى عشر سنوات، حسب وسائل إعلام أميركية.

مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران، ومن جملة ما تعانيه، بالإضافة إلى غموض النصوص وطابعها المطاط، والاختلافات في الصياغة بين الإنكليزي والفارسي، معضلة الممرات الملاحية، ولا سيما مضيق هرمز. وقد تبين، نتيجة الصياغات الفضفاضة والاتصالات الديبلوماسية "السطحية"، استحكام الخلاف حول نص المذكرة: بين نسخة إيرانية تضيف حق جباية رسوم من المضيق، ونسخة أميركية تنفي ذلك، في وقت اعتبرت دول الخليج ومجلس التعاون المضيق ممراً دولياً مندون رسوم، كما كان قبل الحرب.

ورغم أن وفوداً خليجية زارت طهران لتقديم التعازي بالمرشد، رغم التوتر، والتبريرات البراغماتية والسياسية، وقيام قطر وسلطنة عمان بدور وساطة، قامت طهران باستهداف دولة قطر من خلال استهداف ناقلتها، رغم السعي القطري للوساطة والسلام، في وقت لا يخفى التفاوت والتباين في المواقف بين دول الخليج حيال الملف الإيراني، والمتأرجح بين سيادة القرار والحوار العملي مع إيران.

يبقى اللافت في الموقف الإيراني التبرير الذي يعطيه النظام في قصف دول المنطقة، بإقراره بأن المسافات حالت دون أن تصل الصواريخ الإيرانية إلى أساطيل أميركية متواجدة بعيداً عن السواحل الإيرانية، ما يعني إقراراً واعترافاً إيرانياً صريحاً بعجز عسكري قتالي صاروخي، كان النظام يتباهى في ظله بامتلاك الصواريخ البعيدة المدى والأخرى الفرط صوتية، فإذا به يستخدم الدرونات، أي المسيّرات، في مهاجمة دول المنطقة، مبرراً ذلك بعجز طهران عن ضرب الأهداف الأميركية البعيدة في مسافاتها عن السواحل الإيرانية.

ويُذكر أنه في الجولة السابقة، كانت بعض الصواريخ الإيرانية قد أصابت أهدافاً مدنية في البحرين (كالمستشفيات والأطفال)، ما بات يؤكد، وخلافاً للبروباغندا الإعلامية للنظام الإيراني، محدودية الدقة أو الاختيارات المستهدفة.

حالياً، إذاً، إيران أمام تجربة قوة جديدة ورفع لسقف الضغوط العسكرية على المنطقة لإظهار باقي قوة عضلاتها، وإمكانية القيام بأعمال قرصنة وتعطيل ممرات، لمحاولة الحصول على المزيد من المكتسبات التفاوضية، فيما نرى أن السيناريو الأقرب يبقى في استمرار الضغط والخيارات القصيرة من قبل الولايات المتحدة، بدل خيار حرب شاملة، مع احتمالات استمرار هجمات متقطعة على مرافئ وحركة شحن تؤثر على الاقتصاد العالمي، لكن التحالفات الغربية والعربية قد تحد من أي احتكار إيراني للممرات، وأهمها مضيق هرمز.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: