"العفو العام".. كيف ساهم السلاح خارج الدولة بصناعة "لبنان العدالتَين"؟

jail

في كل مرة يُطرح فيها ملف العفو العام في لبنان، يعود البلد إلى الانقسام نفسه. لكن خلف النقاش القانوني والسجني، تظهر أزمة أعمق بكثير تتعلق بثقة اللبنانيين بالدولة وبفكرة العدالة نفسها. فجزء كبير من اللبنانيين لم يعد يشعر أن القانون يُطبَّق على الجميع بالتساوي، بل بات مقتنعاً بأن ميزان النفوذ أصبح أقوى من ميزان العدالة.

في الدول الطبيعية، تحتكر الدولة القرار الأمني والعسكري، ويكون القانون المرجعية الوحيدة للجميع. أما حين تظهر قوى تملك نفوذاً أمنياً أو عسكرياً موازياً للدولة، تبدأ العدالة بالتآكل تدريجياً، لأن قدرة الدولة على فرض القانون تصبح خاضعة لموازين القوة لا لمبدأ المساواة أمام القضاء.

وفي لبنان، ترسّخ هذا الواقع منذ عقود. فمنذ الثمانينات، دخل البلد تدريجياً في مرحلة فقدت فيها الدولة احتكارها الكامل للقرار الأمني والعسكري. ومع الوقت، تحوّل سلاح حزب الله من ملف مرتبط بمواجهة إسرائيل إلى قوة تملك نفوذاً سياسياً وأمنياً وعسكرياً واسعاً داخل البلاد، ما خلق لدى شرائح لبنانية شعوراً متراكماً بأن هناك فئة لا تخضع فعلياً للقواعد نفسها المفروضة على سائر اللبنانيين.

لكن الأزمة لم تبقَ محصورة بجهة واحدة فقط، فمع مرور السنوات، نشأت داخل معظم الطوائف شبكات حماية سياسية وعشائرية وحزبية عطّلت بدورها مبدأ المحاسبة. وفي أكثر من منطقة، أصبحت الحماية المحلية بديلاً فعلياً عن سلطة الدولة، وتحول النفوذ إلى وسيلة تمنع تطبيق القانون أو تعرقل تنفيذه.

بعد انتهاء الحرب الأهلية، أقرّ لبنان قانون العفو العام الذي شمل معظم الجرائم المرتكبة خلال الحرب. يومها، قُدّم العفو كوسيلة لإقفال صفحة الحرب وفتح باب الاستقرار. لكن عملياً، اختار لبنان التسوية السياسية بدل العدالة الانتقالية، فأُغلقت الملفات من دون محاسبة فعلية، وانتقل عدد كبير من قادة الميليشيات إلى الحياة السياسية، لتبدأ تدريجياً مرحلة تراجع مفهوم العدالة الموحدة لمصلحة التوازنات بين القوى والطوائف.

وخلال العقود الماضية، تراكمت الملفات الأمنية والسياسية التي بقي كثير منها بلا حسم قضائي واضح، من الاغتيالات السياسية بعد عام 2005 إلى أحداث 7 أيار، وصولاً إلى الاشتباكات الداخلية وملفات التهريب والحدود. ومع كل محطة، كان يتعمّق شعور قسم من اللبنانيين بأن العدالة تُطبَّق وفق موازين النفوذ لا وفق معايير موحّدة.

هذا الشعور لم يبقَ سياسياً فقط، بل تحوّل تدريجياً إلى رد فعل طائفي مقابل. فحين تعتبر جماعة أن خصومها يملكون حماية سياسية أو عسكرية تمنع محاسبتهم، تبدأ جماعات أخرى بالمطالبة بحماية أبنائها بدورها، حتى لو كانوا متهمين أو مطلوبين. ومن هنا، بدأ ملف العفو العام يتحوّل من نقاش قانوني إلى عملية توازن بين الطوائف، حيث تسعى كل جهة إلى حماية موقوفيها أو فرض استثناءات تخصّها.

وفي البيئة السنية مثلاً، عاد ملف "الموقوفين الإسلاميين" بقوة خلال السنوات الماضية، لكن النقاش لم يعد مرتبطاً فقط بظروف التوقيف أو بطء المحاكمات، بل بشعور أوسع بأن هناك جهات أقوى من الدولة لا تخضع للمحاسبة، فيما يُطلب من فئات أخرى التسليم الكامل للدولة والقانون.

المشكلة الأخطر أن مفهوم "المطلوب" نفسه تغيّر في لبنان. ففي الدول الطبيعية، المطلوب هو شخص ملاحق من القضاء، أما في لبنان، فكثيراً ما يُصنَّف المطلوب وفق انتمائه السياسي والطائفي. فإذا كان قريباً من جهة نافذة، يتحول ملفه إلى "استهداف سياسي"، أما إذا كان من بيئة ضعيفة، فيصبح مجرد مجرم عادي. وخلال السنوات الماضية، ظهرت حالات عدة عجزت فيها القوى الأمنية عن توقيف مطلوبين بسبب الغطاء الحزبي أو العشائري أو المسلح، فيما ظهر بعضهم علناً في مناسبات اجتماعية وسياسية رغم وجود مذكرات توقيف بحقهم.

ولم يبقَ النفوذ محصوراً بالشق الأمني فقط، بل تمدّد إلى الاقتصاد الموازي أيضاً. فخلال الأزمة السورية، تحولت أجزاء واسعة من الحدود اللبنانية السورية إلى ممرات تهريب للمحروقات والمواد المدعومة والسلاح والكبتاغون، فيما اصطدم كل حديث عن ضبط الحدود مباشرة بملف السلاح والنفوذ والحماية السياسية.

عملياً، لم يكشف النقاش حول العفو العام فقط أزمة السجون أو بطء القضاء، بل كشف أزمة أعمق تتعلق بانهيار الثقة بفكرة العدالة الموحدة نفسها. فحين تشعر كل طائفة أن هناك طائفة أخرى تملك امتيازات أمنية أو حماية سياسية، تبدأ تلقائياً بالمطالبة بحصتها الخاصة خارج القانون، لتدخل البلاد في حلقة مفرغة تبدأ بالسلاح خارج الدولة، ثم ضعف الدولة، ثم الخوف الطائفي، ثم المطالبة بحمايات خاصة، وصولاً إلى مزيد من تآكل مفهوم العدالة.

لبنان اليوم لا يعيش فقط أزمة اقتصادية أو فساداً سياسياً، بل أزمة تتعلق بتفكك مفهوم الدولة نفسه. فبعد عقود من السلاح والنفوذ والمحاصصة والتسويات، لم يعد اللبنانيون ينظرون إلى العدالة من المنظار نفسه، بل بات لكل جماعة روايتها الخاصة، وضحاياها الخاصون، وحتى مفهومها الخاص عن العدالة، فيما تتحول الدولة تدريجياً إلى مساحة لإدارة التوازن بين القوى والطوائف، لا إلى مرجعية واحدة فوق الجميع.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: