الوفد الذي أزعج "البعض"... يوم فاوضت الدولة

Untitled

قد يكون ما حققه الوفد اللبناني المفاوض قد أزعج "البعض"، كما وصفهم رئيس الجمهورية جوزاف عون. لكن ما حصل على طاولة المفاوضات يثبت أن لبنان، وللمرة الأولى منذ سنوات طويلة، فاوض باسم دولته، لا باسم موازين القوى التي حكمته لعقود، فالوفد اللبناني انتزع المطالب اللبنانية من الجانب الإسرائيلي، وتمسّك بها حتى اللحظات الأخيرة من التفاوض، من دون أي تراجع. ولعلّ خير دليل على ذلك ما قاله السفير الإسرائيلي نفسه، عندما وصف السفيرة اللبنانية لدى واشنطن، ندى معوض، بأنها "مفاوضة شرسة".

فـ"المفاوضِة الشرسة" لم تردّ التحية للسفير الإسرائيلي، ولم تصافحه بعد توقيع الاتفاق. ليس من باب الاستعراض، بل لأن ما حصل أمس ليس نهاية "العداء"، ولا يعني أن إسرائيل لم تعد عدواً في نظر الدولة اللبنانية، ولا أن مسار السلام قد اكتمل. لقد احترمت السفيرة ندى معوض موقعها، والتزمت بما يفرضه عليها الدستور اللبناني، وفي الوقت نفسه أدارت مفاوضات نجحت، بتوجيه من رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، وبمؤازرة وفد سياسي وعسكري، في تحقيق ما عجزت عنه السلطات اللبنانية طوال عقود.

قد يكون الاتفاق الإطاري مجرد بداية، وقد يكون الطريق إلى سلام دائم طويلاً وشاقاً ومليئاً بالعقبات والاختبارات. لكن قيمة ما حصل لا تقاس فقط بالنتيجة، بل بالطريقة التي أدار بها لبنان هذه المفاوضات. فهذه المرة، لم يدخل من موقع المهزوم ولا المنتصر، بل من موقع الدولة التي تفاوض على مصالحها. فالوفود لا تقاس برفع السقوف الإعلامية، بل بما تحققه في النصوص النهائية، وما ينجح في تثبيته من حقوق وضمانات.

ولعلّ أفضل معيار للحكم على أي اتفاق ليس الانطباعات السياسية، بل النصوص التي خرج بها. وإذا كان التوقيع قد شكّل محطة سياسية بحد ذاته، فإن القيمة الحقيقية للاتفاق تكمن في تفاصيله. فبين السطور، ثمة بنود تعكس تمسّك الوفد اللبناني بثوابته، وتظهر أن المفاوضات لم تكن مجرد إدارة للأزمة، بل محاولة لانتزاع أكبر قدر ممكن من الضمانات والمكاسب للبنان.

وعند قراءة البنود، يتبيّن أن الوفد اللبناني نجح في تثبيت أكثر من نقطة تصب في مصلحة الدولة اللبنانية، وأبرزها:

-           التأكيد الصريح على سيادة لبنان وحقه في استعادة سلطته الكاملة على كل أراضيه، بما يعيد الاعتبار إلى الدولة بوصفها المرجعية الوحيدة في إدارة الأمن والقرار السيادي.

-           تكريس الجيش اللبناني باعتباره الجهة الشرعية الوحيدة المكلفة تولّي المسؤولية الأمنية على الأرض، ما يعزز موقع المؤسسة العسكرية ويمنحها دوراً محورياً في المرحلة المقبلة.

-           ربط أي إعادة انتشار للقوات الإسرائيلية بمسار متدرج يترافق مع انتشار الجيش اللبناني واستكمال الترتيبات الأمنية، بدلاً من فرض وقائع أحادية الجانب.

-           ربط عودة المدنيين اللبنانيين إلى بلداتهم بانتشار الدولة اللبنانية وسيطرتها الحصرية على تلك المناطق، بالتوازي مع إطلاق مسار إعادة الإعمار بدعم دولي.

-           تثبيت مبدأ أن قرار الحرب والسلم هو حق حصري للدولة اللبنانية، وأن أي جهة غير حكومية لا تملك حق ممارسة دور عسكري أو أمني أو استخدام القوة باسم لبنان.

-           تثبيت التزام الولايات المتحدة بحشد الدعم الدولي للجيش اللبناني، ولمواكبة تنفيذ الاتفاق، والمساهمة في إعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي، بما يربط الاستقرار الأمني بخطة دعم سياسي ومالي للبنان.

-           التأكيد أن أموال إعادة الإعمار لن تصل إلى الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة، بما يضمن توجيهها إلى مؤسسات الدولة ومشاريع إعادة البناء.

-           فتح الباب أمام مسار تفاوضي مباشر لمعالجة كل الملفات العالقة، بما في ذلك القضايا الإنسانية والأمنية، ضمن إطار سياسي واضح وبرعاية أميركية، وهو ما يمنح لبنان للمرة الأولى منذ سنوات طويلة مساراً تفاوضياً منظماً لمعالجة النزاعات بدلاً من إدارتها عسكرياً.

لقد أنجز الشق السياسي مهمته على طاولة المفاوضات، وباتت الكرة اليوم في ملعب المؤسسة العسكرية. فالجيش لم يعد مطالباً بخوض حرب، بل بتنفيذ قرار اتخذته الدولة باسم جميع اللبنانيين. ومن هنا، فإن الالتفاف حول المؤسسة العسكرية لم يعد خياراً سياسياً أو موقفاً فئوياً، بل شرطاً أساسياً لترجمة ما تحقق سياسياً، ولتكريس حصرية قرار الدولة وسيادتها على أرضها. فنجاح الجيش في هذه المرحلة لن يكون انتصاراً لمؤسسة عسكرية فحسب، بل انتصاراً لفكرة الدولة اللبنانية نفسها.

فالاتفاقات تُوقَّع على الورق، أما نجاحها الحقيقي فيُكتب على الأرض.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: