جورج أبو صعب
مع استعداء النظام الإيراني دول الخليج العربي، واستباحة سيادتها وأمنها ومصالحها الاقتصادية والاستراتيجية، بدأ التحول ليس فقط في المزاج الخليجي عامة، بل أيضاً في النظرة الاستراتيجية إزاء الجمهورية الإسلامية في إيران، والمعادلات التي حكمت المنطقة في علاقاتها مع الجارة الإيرانية.
من هنا، تبيّن منذ اندلاع الهجمات الإيرانية على دول الخليج أن الأخيرة بدّلت جذرياً نظرتها إلى إيران، تبدّلاً عميقاً، بعد أن أيقنت الدول المعنية حجم الأحقاد والعداء تجاهها. وقد أجمعت كافة الإحصاءات على أن عدد الصواريخ والمسيّرات التي أُطلقت على دول الخليج تجاوز ذلك الذي أطلقته إيران على إسرائيل نفسها، ما أدى، وسيؤدي، إلى تغيّر النظرة العربية الخليجية إلى إيران، ومعها كل استراتيجيات التعاون وحسن الجوار.
الأذى تحقق، ولم تعد تنفع تصريحات المسؤولين الإيرانيين النافية والمهدِّئة والمناورة، بعدما تأكد وجود نوايا مقصودة لدى الحرس الثوري الإيراني وقيادات التشدد بضرب أمن واستقرار دول الخليج العربي تحديداً.
وهنا تبرز تساؤلات كبيرة حول غياب أي موقف عربي وإسلامي جامع ضد العدوان على دول الخليج. فلا جامعة الدول العربية اجتمعت، ولا منظمة الدول الإسلامية التأمت لرسم خطة مواجهة ضد النظام الإيراني، الأمر الذي أكد عدة حقائق، من بينها عدم وجود إجماع لدى العرب والمسلمين في إدانة إيران وعدوان نظامها على الدول العربية والخليجية.
ونقولها بصراحة: ثمة خلاف في تحديد أولويات العداء، إذ إن العرب والمسلمين منقسمون حول اعتبار النظام في إيران التهديد الأول للأمن القومي العربي. فبين من يرى في هذا النظام تجسيداً للمواجهة مع العدو الأول للأمة، أي إسرائيل، وبين من يرى أن إسرائيل تأتي في المرتبة الثانية من العداء بعد إيران، وبين من، وببساطة، لا يناصر إيران، لكنه في الوقت نفسه لا يريد التحالف مع إسرائيل لضرب النظام الإيراني.
فالعامل الإسرائيلي هو العقدة، وربما هناك من يفكر بترك الإسرائيلي والإيراني يتقاتلان دون التدخل لنصرة أيٍّ منهما.
بناءً على ما تقدم، تتجه المنطقة العربية والإسلامية إلى إعادة نظر شاملة في التكتيك والاستراتيجية حيال تحديد الخطر الحقيقي عليها، وإلى تغيير جذري في الفكر الاستراتيجي الخليجي بعد العدوان الإيراني عليها، والتخلي عن المفاهيم الكلاسيكية للأمن العربي التي كانت سائدة إبّان الحرب الحالية، والتي لم تعد تفي بالمطلوب منها، وقد تجاوزها الزمن كما تجاوزتها التطورات.
لذلك، نشهد في دول الخليج ترسيخاً لمفاهيم وأنماط تفكير جديدة، باتت تنحو باتجاه ترسيخ القناعة الجماعية، بعد الذي حصل، بضرورة تعزيز القدرات الوطنية لكل دولة، وإيجاد استراتيجية أمن خليجي جماعي، يعمل على توثيق الشراكات الأمنية والعسكرية بين دول مجلس التعاون، وبينها وبين الولايات المتحدة الأميركية.
فلسان حال الخليجيين يقول إنه لم يعد هناك مجال لأنصاف الحلول والتسويات مع جارة تُعدّ عدوة للمنطقة وشعوبها، وقد بات ملحّاً وضرورياً الاتجاه نحو حلول جذرية دائمة، تُشكّل حزام أمن وأمان واستقرار للمنظومة الخليجية، تحميها وتحمي تنميتها ونموها وأمنها واستقرارها من أي تهديد إيراني.
ما قبل ٢٨ شباط لن يكون كما بعده، والتحدي الجيوسياسي الحالي أمام الدول الخليجية هو التأثير المباشر على أي تفاوض أميركي مع الإيرانيين، من خلال حضورهم في المفاوضات، وحماية مصالحهم الحيوية، لمنع تكرار التجربة "الأوبامية" عام 2015. فيما يبقى التحدي الآخر في ما بعد الحرب، في جردات الحسابات العربية – العربية، والإسلامية – الإسلامية.