لم تكن الجملة التي خرجت من رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي السابق وليد جنبلاط بحاجة إلى أسماء كي تترك أثرها، فالسياسي الذي يعرف جيداً وزن الكلمة في بيروت اختار أن يرمي الإشارة ويترك للسياسة مهمة فك الرموز، حين تحدّث عن تسليم البلد إلى من لا يملكون الخبرة، وعن أشخاص يرى أن هاجسهم الوصول إلى السلطة أكثر من حماية مصالح الدولة.
هنا تحديداً يبدأ السؤال الذي يتجاوز حدود التصريح، من هم الذين كانوا في دائرة انتقاد جنبلاط؟ هل كان يتحدث عن طريقة إدارة المفاوضات، أم عن مجموعة الأشخاص الذين أحاطوا القرار بمقاربات لم تقنعه، أم عن عقلية سياسية يعتبر أنها دخلت إلى ملفات كبرى من دون امتلاك الأدوات التي تحتاجها لحماية لبنان؟
ويكشف عضو اللقاء الديموقراطي النائب بلال عبدالله في حديث خاص إلى موقع LebTalks أن اعتراض جنبلاط لا ينطلق من موقف سياسي عابر، وإنما من قناعة بأن الثوابت التي تحمي مصلحة لبنان لم تجد حضورها الكافي في الصياغة، مشيراً إلى أن غياب بعض الضمانات قد يكون مرتبطاً بضغوط رافقت مسار التفاوض أو بضعف في الخبرة لدى بعض المشاركين في إعداد الطروحات.
وفي المقابل، تذهب قراءة نيابية أخرى إلى أن كلام جنبلاط قد يكون موجهاً نحو المستشارين الذين لعبوا أدواراً في رسم بعض الأفكار والصيغ، مع احتمال أن يشمل الانتقاد جزءاً من الفريق الذي واكب التفاوض، من دون أن يسميه الزعيم الدرزي علناً.
فالمسألة عند جنبلاط لا تبدو مرتبطة بتفصيل تقني في ورقة تفاوضية، وإنما بطريقة التفكير التي سبقت الورقة، فالملفات التي تحمل أبعاداً سيادية لا تُدار بمنطق التجربة والخطأ، ولا تحتمل أن يدخل إليها من لا يملك معرفة دقيقة بتوازنات الإقليم وحسابات الدول الكبرى.
مصدر القلق الذي عبر عنه جنبلاط وفق النائب عينه يرتبط بفكرة أوسع، وهي من يملك القدرة على ترجمة مصالح لبنان عندما تتحول السياسة إلى تفاوض، وعندما تصبح كل كلمة في أي اتفاق قابلة لأن تحمل نتائج تمتد لسنوات، فالتفاوض في مثل هذه الملفات لا يقوم فقط على حسن النيات، وإنما على خبرة تعرف أين تقدم الدولة تنازلاً وأين ترسم خطاً لا يمكن تجاوزه.
ويضيف، لهذا بقيت عبارته محملة بالكثير من الأسئلة، لأن الرجل لم يوجه اتهاماً مباشراً إلى شخص محدد، إنما وضع علامة استفهام فوق الفريق الذي حمل مسؤولية إدارة ملف يعتبره كثيرون من أكثر الملفات تأثيراً على مستقبل لبنان.
في نهاية الأمر، قد يكون أخطر ما في كلام جنبلاط أنه لم يفتح نقاشاً حول اتفاق واحد فقط، وإنما أعاد طرح السؤال القديم الجديد في لبنان، من يصنع القرارات الكبرى ومن يملك الأدوات التي تحمي البلد عندما تصبح السياسة اختباراً حقيقياً للخبرة والمسؤولية.