"من الجلجلة إلى الجنوب".. حكاية صمود تُكتب بالإيمان

mother

في الجمعة العظيمة، تتوقّف الكلمات ويعلو الصمت، إذ يقف المؤمنون بخشوع أمام سرّ الصليب، متأمّلين في آلام يسوع المسيح الذي بذل ذاته حبّاً بالبشر. هي لحظة تتجلّى فيها أسمى معاني التضحية، حيث لا يعود الألم مجرّد معاناة، بل يتحوّل إلى طريق نحو الرجاء والخلاص. في سجدة الصليب، تنحني القلوب قبل الأجساد، وتلتقي دموع الحزن بإيمان عميق بأنّ القيامة آتية، مهما اشتدّت العتمة.

هذه المناسبة لا تعيش فقط في طقوس الكنيسة وصلواتها، بل تمتدّ إلى واقع الناس، وخصوصاً في لبنان، حيث تختلط الرمزية الدينية بالحياة اليومية. فهنا، لا يُتأمّل بالصليب كذكرى فقط، بل كحقيقة تُعاش في تفاصيل الألم والصمود. وكأنّ درب الجلجلة لم ينتهِ، بل لا يزال يتكرّر في وجوه أمهاتٍ قلقات، وعائلاتٍ تعيش على وقع الخوف، وأبناءٍ يتمسّكون بأرضهم رغم كلّ التهديدات.

في الجنوب اللبناني، حيث تتصاعد التحدّيات وتشتدّ الظروف، يعيش الأهالي تجربة قاسية من النزوح والتهجير. قرى بأكملها تفرّغت من سكانها، وبيوت أُقفلت على أمل العودة. ومع ذلك، لا يزال أبناء هذه الأرض، اي المسيحيين، متمسّكين بجذورها، رافضين مغادرة بيوتها رغم الخطر. هذا القرار لم يكن سهلًا، بل هو أشبه بحمل صليب يومي، عنوانه الإيمان والثبات.

هؤلاء الذين بقوا، لم يبقوا عن تهوّر، بل عن قناعة عميقة بأنّ الأرض ليست مجرّد مكان، بل هوية وذاكرة ووجود. بقوا لأنّهم يؤمنون أنّ التمسّك بالأرض هو شكل من أشكال الشهادة الصامتة، وأنّ الصمود في وجه الخوف هو صلاة بحدّ ذاته. في ليالي القلق، ترتفع صلواتهم كما ارتفعت صلاة يسوع في بستان الزيتون، وفي لحظات الضعف، يستمدّون قوّتهم من إيمانهم بأنّ الألم ليس الكلمة الأخيرة.

ورغم الضغوط الكبيرة التي تمارسها ظروف الحرب، وتأثيرات جهات مختلفة تدفع نحو الرحيل أو الاستسلام، اختار هؤلاء أن يكونوا شهودًا للرجاء. بقوا في كنائسهم يصلّون، وفي بيوتهم ينتظرون، وفي أرضهم يتشبّثون بالحياة. وكأنّهم يقولون للعالم إنّ لبنان، رغم كلّ ما يمرّ به، لا يزال حياً بإيمان أبنائه.

الجمعة العظيمة، في هذا السياق، لم تعد فقط ذكرى لحدثٍ مضى، بل أصبحت مرآة لواقع حاضر. هي صورة أمّ تبكي ابنها، وعائلات تقرّر البقاء رغم الخطر. هي مزيج من الألم والرجاء، من الحزن والإيمان، من الصليب الذي يُحمل بصمت، والرجاء الذي لا ينكسر.

ومع كلّ هذا الألم، يبقى الإيمان بأنّ القيامة قادمة. فكما لم يكن الصليب نهاية القصة، كذلك لن تكون معاناة لبنان نهاية الطريق. هناك دائمًا فجر ينتظر، ونور يولد من قلب العتمة. وهذا ما يتمسّك به اللبنانيون، رغم كلّ الجراح.

في هذه الجمعة العظيمة، لا يكتفي المؤمنون بالسجود أمام الصليب في الكنائس، بل يعيشونه في واقعهم، في صمودهم، في تمسّكهم بالحياة. إنها سجدة من نوع آخر، سجدة تُكتب بالصبر، وتُرفع بالإيمان، وتُختتم برجاء لا يموت.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: