هل يقترب لبنان فعلاً من "الفصل السابع"؟

lebanon1

لبنان اليوم لا يدار كدولة، بل يترك لموازين القوى ولتوازنات مفروضة خارج أي إطار رسمي. لم يعد هناك قرار موحّد، ولا سلطة قادرة على فرض نفسها، بل واقع متشظٍ تتحكّم فيه جهات متعددة، فيما الدولة تتراجع إلى الخلف خطوة بعد خطوة. في هذا المشهد، لا يصبح الخارج خياراً سياسياً بل نتيجة طبيعية لفراغ داخلي يتوسّع. من هنا، فإن الحديث عن "الفصل السابع" لم يعد مجرّد فرضية نظرية، بل انعكاس مباشر لمسار واضح، حيث تتآكل الدولة تدريجياً، ويتراجع القرار السيادي، وتصبح كل الاحتمالات مفتوحة على تدخل لا يأتي فجأة، بل يُبنى ببطء من داخل الأزمة نفسها.

فهل يمكن أن يجد لبنان نفسه تحت الفصل السابع من ميثاق مجلس الأمن الدولي؟

في هذا السياق، يوضح استاذ العلاقات الدولية، والديبلوماسية والمفاوضات الاستراتيجية الدكتور محسن المكاري أن "السؤال كما الجواب، ليس قانونياً فحسب، بل سياسي بامتياز، ويعكس هشاشة الداخل اللبناني بقدر ما يكشف حدود النظام الدولي. فلبنان اليوم يقف في منطقة رمادية بين مقاربة "الفصل السادس"، العمل على إدارة النزاعات وإمكانية، ولو ضعيفة حاليًا، للانتقال إلى "الفصل السابع" اي فرض الإجراءات القسرية".

ويقول المكاري في حديث لـLebTalks: "قانونياً، لا شيء يمنع مجلس الأمن من فرض إجراءات ملزمة تحت الفصل السابع، حتى من دون موافقة الدولة المعنية وهنا لبنان، إذا اعتبر أن الوضع يشكل تهديداً للسلم والأمن الإقليميين او الدوليين بناء على مفهوم "الترابط" او الـ"Interdependence". هكذا حصل في تجارب دولية سابقة، من غزو العراق للكويت 1990، البوسنة 1992-1995 وإلى التدخل في ليبيا 2011. وبالتالي، فإن لبنان ليس استثناءً من حيث المبدأ".

لكن الواقع أكثر تعقيداً، فيشرح المكاري أن "فرض الفصل السابع لا يتم بقرار تقني، بل يحتاج إلى توافق سياسي بين القوى الكبرى داخل مجلس الأمن. وهنا تكمن العقدة: فبين اندفاع الولايات المتحدة من زاوية الاستقرار الإقليمي وضياع فرنسا في مقاربة الملف اللبناني، وتحفظ روسيا والصين بحجة عدم  المساس بالسيادة إلا اذا كان ذلك يتلاءم مع مصالحها، يبقى هذا السيناريو غير مرجّح، لكنه يبقى سيناريو قابل للتحقق في حال وقوع صدمة كبرى من مثل حرب داخلية، انهيار شامل، أو تهديد إقليمي مباشر".

يضيف: "السيناريو الأخطر لا يبدأ من الخارج، بل من الداخل. فلبنان اليوم يقف على خط تماس بين ضعف الدولة وتعدد مراكز القوة، وعلى رأسها حزب الله. وفي حال ترافقت هذه الهشاشة مع تصعيد عسكري متفاقم، خصوصاً مع إسرائيل، فإن إعادة توصيف لبنان كتهديد للأمن الإقليمي قد تصبح أمراً واقعاً، لا مجرد احتمال نظري".

ويشير المكاري إلى أن "عندها، لن يكون النقاش حول ما إذا كان الفصل السابع ممكناً، بل متى وكيف سيُفرض، هذا ممكن وبشكل واضح من الناحية القانونية. فبموجب ميثاق الأمم المتحدة، يمتلك مجلس الأمن صلاحية تحديد وجود "تهديد للسلم والأمن الدوليين" وبالتالي فرض تدابير ملزمة "دون موافقة الدولة المعنية" اي تطبيق الفصل السابع. والأخطر في هذا المسار أنه يحمل مفارقة قاسية: التدخل الدولي قد يأتي تحت عنوان "إنقاذ الدولة"، لكنه من وجهة نظر "البعض"  قد يؤدي عملياً إلى تقليص سيادتها، وعند هذا "البعض" الاستقرار المفروض من الخارج غالباً ما يأتي على حساب القرار الوطني".

وفي الحالة اللبنانية، يشدد المكاري في حديث لموقعنا على أن "التدخل قد يعني ذلك أكثر من مجرد ضغط دولي، قد يعني إعادة تشكيل التوازنات الداخلية بالقوة، أو حتى تحويل دور قوة الأمم المتحدة الموقتة في لبنان من قوة مراقبة إلى قوة تنفيذية، مع ما يحمله ذلك من مخاطر صدام داخلي. وهكذا فموافقة الحكومة اللبنانية "ليست شرطاً قانونياً" لفرض الفصل السابع. لكن عملياً القرار يحتاج إلى توافق سياسي بين الدول الكبرى، وهو العامل الحاسم".

لكن رغم كل ذلك، يلفت إلمكاري إلى أن "المجتمع الدولي لا يبدو مستعداً اليوم للذهاب إلى هذا الخيار. الأولوية لا تزال لسياسة الاحتواء: دعم الجيش، الحفاظ على الاستقرار بالحد الأدنى، وتجنب الانفجار الكبير. وان أي مشروع قرار تحت الفصل السابع سيصطدم غالباً بامكانية حق النقض "الفيتو" الروسي أو الصيني، ما لم يحدث تصعيد كبير يفرض توافقاً دولياً استثنائياً".

ويكشف عن أن "مهمة اليونيفيل يمكن أن تتحوّل من حفظ سلام إلى فرض سلام نظرياً، ولكن عملياً هذا التحول صعب جداً، لكنه ليس مستحيلاً، فقوة الأمم المتحدة الموقتة في لبنان اليونيفيل والتي تحدد تاريخ تركها لبنان، تعمل حاليًا ضمن مقاربة الفصل السادس وتناط بها مهام: مراقبة، دعم وتنسيق. ويبقى ان هذا التحول إلى قوة فرض سلام يتطلب قراراً جديداً من مجلس الأمن تحت الفصل السابع وفيه تعديل لقواعد الاشتباك (Rules of Engagement) وزيادة عديد القوة وتسليحها".

ويتابع المكاري: "هذا التحول قد يضع اليونيفيل في مواجهة جهات لبنانية مسلحة خصوصاً حزب الله، وهذا هو الخطر الأكثر ترجيحاً. فبدل تحقيق الاستقرار، قد يؤدي إلى احتكاك مباشر بين قوات دولية وقوى محلية والى انقسام داخلي حاد بين مؤيد ومعارض وإعادة إنتاج مشهد قوات أجنبية مقابل مقاومة. أما السيناريو الأخطر فيتلخص بتحوّل لبنان إلى ساحة صراع دولي – إقليمي مفتوح وفرض الاستقرار بالقوة في بيئة منقسمة مثل لبنان: قد يفجّر الوضع بدل احتوائه".

كما يوضح أن "الفصل السابع اذا جاء من صنع ومجهود داخلي مع الدور الخارجي الأساسي لا يفقد الدولة قرارها ولا سيادتها. فهو سيساهم في إعادة فرض سلطة الدولة، ضبط السلاح غير الشرعي، استعادة ليس فقط الدعم الدولي بل الشرعية الدولية وطبعا المشروعية الداخلية. ويبقى انه لا توجد مؤشرات جدية لا دولية ولا محلية مباشرة  نحو التوجه الى هكذا قرار. فما هو قائم حتى الآن هي سياسة احتواء لا تصعيد، من دعم الجيش اللبناني، احتمال استبدال قوات اليونيفيل بعد انتهاء مهامها بقوة يمكن ان تكون اوروبية وبضغوط سياسية واقتصادية من دون تدخل قسري".

ويشير المكاري إلى أن لبنان يخضع لمقاربة قريبة من الفصل السادس بشكل غير مباشر عبر: قرارات مجلس الأمن (1701) وجود اليونيفيل وآليات التنسيق الدولية. طبيعة هذه المرحلة غير قسرية تعتمد على التعاون، الدعم والضغط السياسي. والفرق الجوهري يكمن في ان الفصل السادس يتمثل بـ"إدارة نزاع"، بينما "الفصل السابع" يحتم "فرض حل".

وهنا تكمن الرسالة الأهم، فبالنسبة لمكاري: "الفصل السابع ليس قدراً محتوماً، بل نتيجة مسار، والمشكلة أن هذا المسار لا يُفرض فقط من الخارج بل يُصنع في الداخل أيضاً، لبنان لا يحتاج إلى انتظار قرار دولي لإنقاذ نفسه، ما يحتاجه هو قرار داخلي باستعادة الدولة: سيادتها، مؤسساتها، واحتكارها للسلاح، ففي النهاية، الخطر الحقيقي ليس أن يُفرض "الفصل السابع" على لبنان، بل أن يصل لبنان إلى مرحلة يصبح فيها هذا الخيار هو الحل الوحيد المتاح أمام العالم فتسقط الدولة".

لبنان لا يصل إلى لحظة الانفجار دفعة واحدة، بل يتقدّم نحوها تدريجياً مع كل تسوية موقتة وكل قرار مؤجّل. المشكلة ليست في أن المجتمع الدولي قد يقرّر التدخل، بل في أن الظروف التي تدفعه إلى ذلك تُصنع يومياً في الداخل. فكل تراجع في دور الدولة، وكل واقع يُفرض خارجها، يقرّب البلد أكثر من لحظة يفقد فيها القدرة على التحكم بمصيره. عندها، لن يكون النقاش حول السيادة أو الخيارات، بل حول كيفية التعامل مع واقع فُرض بالكامل. الخطر الحقيقي لا يكمن في الفصل السابع بحد ذاته، بل في أن يصل لبنان إلى مرحلة يصبح فيها هذا الخيار هو النتيجة الوحيدة المتبقية.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: