ما يجري اليوم بين رئاسة الجمهورية وحزب الله يتجاوز خلافاً تقليدياً إلى ما يشبه إعادة رسم حدود السلطة والمعنى في آنٍ معاً، فالخلاف لم يعد قابلاً للتجميل أو التأجيل ولم تعد اللغة الرمادية قادرة على احتواء التناقض، إذ خرج الطرفان إلى العلن بخطابين لا يلتقيان إلا على حافة التصادم.
كلام الرئيس جوزاف عون بدا كأنه إعلان انتقال من موقع المساكنة القسرية إلى موقع المواجهة السياسية المفتوحة، فللمرة الأولى وبهذا القدر من الصراحة يُطرح سؤال السيادة بلا مواربة، من يملك قرار الحرب ومن يحدد مصير البلاد عندما تتقاطع الجغرافيا اللبنانية مع حسابات الإقليم.
في هذا السياق يبرز صوت نائب سابق، لم يخفِ في حديثه إلى LebTalks أن القرار داخل الرئاسة قد حُسم وأن ما كان يُحتمل في السابق لم يعد مقبولاً، بالتالي لا تبدو الإشارة محصورة بالسلوك السياسي فحسب إنما تتصل بما يُعتبر تمادياً في تحميل الدولة مسؤوليات لا تملك قرارها الكامل، ويذهب أبعد من ذلك حين يلمح إلى أن خطابات نعيم قاسم لا يمكن فصلها عن السياق إيراني.
في المقابل لا يبدو الحزب، وفق قراءة النائب عينه، في موقع الدفاع إنما في موقع تثبيت القواعد، إذ إن خطاب أمينه العام لم يترك مساحة للتأويل وجاء كبيان واضح المعالم، لا اعتراف بمفاوضات مباشرة ولا تراجع عن خيار السلاح ولا قبول بأي مسار لا يمر عبره، وهذه الثلاثية لم تكن مجرد رد إنما إعادة رسم للسقف الذي يتحرك تحته الحزب وكأنه يقول إن كل ما يجري حوله لن يدفعه إلى تعديل أولوياته أو إعادة النظر في موقعه.
ويضيف أن ما بين هذين الخطابين يكشف فجوة أعمق من مجرد خلاف سياسي، فالرئاسة تراهن على أن الخروج من الأزمة يمر عبر إعادة إدخال لبنان في شبكة العلاقات الدولية وفتح باب التفاوض كخيار لا مفر منه، في حين يرى الحزب في هذا المسار تهديداً لما يعتبره عناصر القوة ومحاولة لإعادة صياغة دوره بما يتعارض مع طبيعته ووظيفته كما يراها.
ويلفت النائب إلى أن إيران تشكل أساس بنية الصراع، إذ يتحدث عن تدخلات واستخدام للبنان في لعبة أمم لم يعد همساً إنما صار جزءاً من الخطاب العلني، وفي موازاة ذلك تبرز معلومات عن تحركات داخلية من بينها ما يُحكى عن إعداد ملفات قانونية تتعلق بهذه التدخلات في محاولة لنقل المواجهة من السياسة إلى المؤسسات.
في المقابل يقرأ مصدر قريب من الحزب المشهد بطريقة مختلفة، فهو لا ينفي وجود توتر إنما يرفض وصفه بالقطيعة النهائية، ويرى أن ما يجري هو اشتباك مفتوح في الرؤية لا أكثر ولا أقل، فالعلاقة لن تنهار دفعة واحدة إنما لن تعود كما كانت، وكل طرف يعرف حدود الآخر ويتصرف على هذا الأساس بانتظار ما ستفرضه التطورات.