هل تشعل قضية ترامب أميركا ؟

WhatsApp Image 2023-04-05 at 8.09.00 AM

ثمة سابقة تاريخية تحدث لأول مرة في الولايات المتحدة الأميركية تمثّلت باتهام رئيس سابق للبلاد وإحالته على محاكمة قضائية بغضّ النظر عن الأسباب والاتهامات الموجهة اليه.
فعلاً لقد تغيّر الزمن ومعه تبدّلت العادات والتقاليد والأعراف التي استمرت سائدة في المجتمعات عقوداً لا بل قروناً.
الرئيس السابق للولايات المتحدة الأميركية الجمهوري دونالد ترامب صدرت في حقه مضبطة اتهام بشراء سكوت ممثلة إباحية أقام معها علاقة جنسية عام ٢٠١٦.
طبعاً مثل هذه القضايا ليست جديدة في حياة المشاهير والسياسيين، وقد سجّل التاريخ الكثير من مثل هذه الفضائح التي أنهت حياة عامة للمتهمين أمثال الرئيس السابق للبنك الدولي الفرنسي دومينيك ستروس الذي كان الأوفر حظاً بالوصول الى حكم فرنسا عندما تفجّرت في وجهه الفضيحة الجنسية التي أطاحت بحياته العامة نهائياً وأبعدته عن أضواء النجومية والسياسة.
كذلك فضيحة الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون مع مونيكا لوينسكي إحدى مساعداته في البيت الأبيض أثناء ولايته، وقد خرج من الاتهام بأعجوبة وتمكن من " ضبضبة " القضية رغم اعترافه بأنه كذب حين نفى حصول مثل هذه العلاقة.
اليوم نحن أمام اتهام شخص ليس ككل الأشخاص إذ إن دونالد ترامب، فضلاً عن كونه رئيساً سابقاً لأكبر قوة عظمى في العالم، فهو أيضاً مستهدف منذ وصوله الى البيت الأبيض كونه جاء الى عالم السياسة من خارج نادي الرؤساء والزعماء التقليديين فانتقل من عالم الأعمال الى عالم السياسة عند ترشحه للرئاسة وفوزه بولاية شهدت الكثير من التغييرات الداخلية كما في السياسات الخارجية للبلاد.
نجح ترامب خلال معركته الانتخابية كما خلال حكمه في البيت الأبيض في إحياء نزعة القومية الأميركية في ما بدى آنذاك استجابة لغالبية كبيرة من الأميركيين الذين ضاقوا ذرعاً من سياسات الديمقراطية الليبرالية التي انفتحت على كل التيارات الفكرية والثقافية والقومية من أقصى الجنوب الى أقصى الشمال، مهددةً التراث الأميركي الأبيض والمسلّمات التي بُنيت عليها الولايات المتحدة الأميركية من تديّن ومحافظة ورفض التنوع العرقي والتساوي بين الأجناس والأعراق، فيما تميزت سياسته الخارجية بالرعونة مع حلفاء الناتو واللامبالاة ازاء القضايا الدولية، مستبدلاً منطق المصالح والصفقات والصراحة والمباشرة على منطق المسايرة والتملّق والكذب مع الحليف كما مع الخصم.
هذا النهج كما هذا الأسلوب في التعاطي كلّف دونالد ترامب عداوات كثيرة داخل الولايات المتحدة أولاً وفي صفوف "اللوبي" الأفريقي- اللاتيني، كما في صفوف الدولة العميقة في أميركا، وهذا ما أدى الى تصاعد النزعات المعادية له خصوصاً في المعسكر الديمقراطي اليساري الليبرالي، وأدى ذلك الى ارتفاع حدة التوتر بين مكوّنات المجتمع الأميركي الى أن انفجرت الأمور في أولى تجلياتها مع الإعلان عن نتائج الانتخابات الرئاسية ومهاجمة أنصاره مبنى الكابيتول، واتهامه من قبل الديمقراطيين واليساريين بالتحريض على الاعتداء على مؤسسات النظام الأميركي ورموزه، والباقي من القصة معروف.
يواجه ترامب حالياً اتهاماً ومحاكمة وسيمثل أمام المدعي العام في نيويورك يوم الثلاثاء، وهذا المثول جاء طوعياً ، نزولاً عند نصائح محاميه ومستشاريه ومقربين منه.
هذا الحدث لن يبقى محصوراً في إطاره القضائي البحت بل سوف تكون له تداعيات سياسية كبيرة في الداخل الأميركي كما في الخارج، لأن المتداول به هو فكرة استهداف ترامب كونه رجل خطير على خصومه السياسيين الذين ذاقوا منه الأمريّن أثناء ولايته، وهو الذي تجرأ على اتخاذ قرارات وتنفيذ سياسات تخالف مصالح الدولة العميقة في أميركا مثل الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران المبرم عام ٢٠١٥ وتجميد عضوية أميركا في الناتو وإطلاق ما سمّي "صفقة القرن" لإنهاء القضية الفلسطينية، وإطلاق وتشجيع التطبيع العربي والخليجي تحديداً مع إسرائيل، وصولاً الى إعادة الحرارة الى العلاقات الأميركية- العربية والخليجية، وتحديداً السعودية بعدما كانت إدارة الرئيس باراك اوباما الديمقراطية قد ربطت النزاع مع القيادة السعودية واتجهت الى إيران من دون مراعاة مصالح حلفاء واشنطن الخليجيين التاريخيين.
مما لاشك فيه أن قضية ترامب قد تخلط أوراق السباق نحو البيت الأبيض في العام ٢٠٢٤ والكم الهائل من الاتهامات(بلغت اللائحة الاتهامية ٣٤ اتهاماً بين تجارية ومالية ورشاوى) بحد ذاته يثبت التركيز على ترامب والرغبة في إغراقه في قضايا تجعله غير مؤهل للترشح لانتخابات ٢٠٢٤.
رئيس مجلس النواب كيفن مكارثي إعتبر أن المدعي العام لمنهاتن الفين براغ أضر بالبلد بشكل لا يمكن إصلاحه في محاولة للتدخّل في انتخابات رئاسية، معتبراً أن المدعي العام المذكور يحرّر بشكل روتيني المجرمين العنيفين لإرهاب الجمهور، ويستخدم نظام العدالة المقدس كسلاح ضد الرئيس دونالد ترامب، وأن الشعب الأميركي لن يتسامح مع هذا الظلم اللاحق برئيس سابق للولايات المتحدة، داعياً الى محاسبة المدعي العام في مجلس النواب لاستغلاله غير المسبوق للسلطة.
تشاك شومر زعيم الغالبية الديمقراطية في مجلس الشيوخ إعتبر من جهته أن ترامب يخضع لنفس القوانين التي يخضع لها كل أميركي، ما سيمكنه من الاستفادة من النظام القانوني وهيئة المحلفين وليس السياسة لتقرير مصيره وفقاً للوقائع والقانون.
حاكم ولاية فلوريدا الجمهوري رون دي سانتيس من جهته إعتبر أن تسليح النظام القانوني لدعم أجندة سياسية يقلب سيادة القانون رأساً على عقب، مشيراً الى أن تصرّف المدعي العام في منهاتن غير أميركي، ومعلناً أن فلوريدا لن تساعد في طلب تسليم المجرمين بالنظر الى الظروف المشكوك فيها ومحل الخلاف مع المدعي العام وجدول أعماله السياسي.
النائب الديمقراطي آدم شيف من جهته إعتبر اتهام رئيس سابق لم يسبق له مثيل، لكن الأمر نفسه ينطبق على السلوك غير القانوني الذي تورط فيه ترامب، مؤكداً أن أمة القانون يجب أن تحاسب الأغنياء والأقوياء حتى عندما يشغلون مناصب رفيعة، فالقيام بخلاف ذلك ليس ديمقراطية.
دونالد ترامب من جهته ينتقد قرار هيئة المحلفين ويصف الاتهامات الجنائية بالاضطهاد السياسي في محاولة واضحة لاستنهاض قواعده الشعبية والسياسية ونواب وشيوخ من الحزبين والتعاطي مع هذه الاتهامات على أنها فاقدة للصدقية والموضوعية القانونية، وهي مفبركة للنيل منه ومن الحزب الجمهوري .
ويبقى أن ثمة تساؤلات محقة تُطرح حالياً حول مصير حملة ترامب الانتخابية وما اذا كان اتهامه سيلعب لصالحه بحيث يعزّز هذه الحملة ويضاعف من حظوظ فوزه أم أنه سيضعفه، لكن الأكيد هو أن مَن استطاع الاستحصال على ٤٠% من أصوات الشعب الأميركي لولاية جديدة ليس لقمة سائغة بسهولة وبساطة، ولا بد أن تنتفض القواعد الشعبية والقيادات الموالية داخل مؤسسات الدولة الفدرالية لنصرته.
فما لم يتنبه اليه المدعي العام أن اتهام شخص مثل الرئيس دونالد ترامب لا بد وأن يتسبب بأزمة داخلية في أميركا قد لا يسلم منها الأخير ويضعف الثقة بالدولة الفدرالية ويقود بالتالي الى مواجهات لا تُحمد عقباها.
إنها حملة مطاردة الساحرات كما يقول ترامب … فهل يخرج منها ويعود أكثر قوة وشعبية مما كان عليه فتكون الاتهامات قد خدمته أم أنه سيخضع لها وتنتهي بذلك حياته العامة، علماً أن الدستور الأميركي يفرض على أي مرشح رئاسي أن يكون أميركي الولادة ويتقن الكتابة والقراءة، من دون الإشارة الى وجوب أن لا يكون ملاحقاً قضائياً وليس محكوماً عليه.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: