لَولا بري.. ألم تكن القرارات السيادية ستسلك طريقها إلى التنفيذ؟

nabih

وسط تداخل الحسابات الداخلية مع ضغوط الخارج، تطفو على السطح طبيعة العلاقة بين "حزب الله" ورئيس مجلس النواب نبيه بري، على نحو لا يحتمل التجميل أو الإخفاء،  إذ إن توصيف "الأخ الأكبر" في خطاب الحزب يعد مدخلاً لفهم معادلة دقيقة يتقاطع فيها السياسي بالطائفي، والمصلحي بالوجودي.

في السياق، يمضي الحزب في خياراته الكبرى باندفاعة شبه منفردة، غير آبه بتداعيات تتجاوز ساحته المباشرة، فيما يقف بري في موقع بالغ الحساسية، يحاول من خلاله احتواء النتائج، بالتالي، يبدو مشهد الجنوب، وهو يرزح تحت وطأة الدمار، ثقيلاً على كاهل الرجل الذي يدرك تماماً أن حرباً كهذه كان يمكن تفاديها حفاظاً على ناس اقتُلعوا من أرضهم وعلى وطن يترنح عند حافة الانهيار.

يحضر بري في اللحظات الحرجة كصمام أمان للحزب؛ يتقدّم حين تضيق الخيارات، ويتراجع حين تتقدم الحسابات الدقيقة، بالتالي خطابه الرمادي ليس إلا انعكاساً لتوازن معقد بين حماية البيئة التي ينتمي إليها ومنع الانزلاق إلى ما هو أخطر على المستوى الوطني.

في ملف السفير الإيراني محمد علي شيباني، تتكشف طبقة إضافية من هذا الدور، حيث إن قرار الإبعاد الذي اتخذه وزير الخارجية والمغتربين يوسف رجي كاد أن يسلك طريقه إلى التنفيذ، لولا تدخلات أعادت خلط الأوراق، وتشير المعطيات إلى ضغوط إيرانية مورست على بري، دفعت نحو فرملة القرار في لحظة تتقاطع فيها السيادة مع حسابات الداخل الحساس.

هنا يتداخل البعد الإقليمي مع الهواجس الداخلية، إذ إن بري، وفق ما ينقله الصحافي رامي نعيم لا يعارض مبدأ إبعاد السفير، غير أنه يقرأ التداعيات من زاوية مختلفة، فهاجس انقسام داخل البيئة الشيعية حاضر بقوة، إلى جانب ضغط سعودي - أميركي يتصاعد في الكواليس، وبين هذا وذاك يختار الرجل الوقوف في منطقة وسطى، يحاول من خلالها امتصاص الصدمات وتفادي الانفجار.

وفي سياق حديثه مع موقع LebTalks، يلفت نعيم إلى أن مشاركة الوزير فادي مكي في جلسة مجلس الوزراء الأخيرة تكتسب دلالة لافتة، إذ إن حضوره بصفته أحد الوزراء الشيعة، وقد جاء وزيراً بتقاطع بين بري ورئيس الجمهورية جوزاف عون، يُقرأ كمؤشر على مرونة مدروسة في إدارة التوازنات، تختلف عن مشهديات سابقة غاب فيها وزراء محسوبون بالكامل على "الثنائي".

يضيف نعيم أن صورة بري تترسّخ في هذا السياق كضابط إيقاع، لا كلاعب عادي، فهو رجل يعرف حدود اللعبة، ويُجيد التموضع عند خطوطها الدقيقة بالتالي فإن إنقاذ حزب الله لا يأتي من باب التماهي الكامل، إنما من زاوية منع الانهيار الشامل الذي قد يطال الجميع من دون استثناء.

ينتهي المشهد إلى خلاصة قاسية: في كل مرة يندفع فيها الحزب الى الانتحار، يظهر بري كآخر الحواجز قبل السقوط الكبير، يوازن بين ما يمكن احتماله وما يجب تفاديه، في بلد لم يعد يحتمل مزيداً من المغامرات.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: